
وکاله آریا للأنباء -
لا تنتهی آثار الحرب فی قطاع غزه عند المبانی المدمره، فخلف الأنقاض تتراکم أزمه أخرى لا تقل خطوره، فهناک ملایین الأطنان من الرکام التی تغطی مساحات واسعه من القطاع، وتختلط بالنفایات الصلبه ومخلفات المبانی، بینما لا تزال جثامین مفقودین عالقه تحت الأنقاض.
وتقول بلدیه غزه إن حجم الرکام فی القطاع تجاوز 68 ملیون طن، تستحوذ مدینه غزه وحدها على نحو 25 ملیون طن منها، فی وقت یتواصل فیه الدمار نتیجه العملیات العسکریه والقصف وعملیات نسف المبانی والبنیه التحتیه. ویحذر مسؤولون وخبراء من أن هذه الکمیات الهائله لا تمثل تحدیا لوجستیا وإعماریا فحسب, بل تحولت إلى أزمه إنسانیه وصحیه وبیئیه متفاقمه، خصوصا مع صعوبه الوصول إلى المعدات الثقیله اللازمه لإزاله الرکام ومعالجته.
الرکام.. خطر یتجاوز الدمار
تعیش أعداد من سکان القطاع بالقرب من المبانی المدمره أو بین أنقاضها، فی ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحیاه، الأمر الذی یزید احتمالات التعرض للغبار والملوثات ومخلفات المبانی. وتظهر آثار هذه البیئه الملوثه على السکان، خصوصا الأطفال الذین یعیشون فی الخیام ومناطق الإیواء. ومن بین هؤلاء الطفله هیا، البالغه ثلاثه أعوام، والتی تعانی من بثور جلدیه متکرره، تقول والدتها إن الأطباء ربطوا حالتها بظروف العیش فی الخیام، والرمال والمیاه الملوثه، فی ظل نقص العلاج وغیاب الخدمات الطبیه الکافیه.
ولا تتوقف المخاطر عند الأمراض الجلدیه، إذ إن اختلاط الرکام بالنفایات الصلبه وتراکمها فی مختلف المناطق یضیف طبقه جدیده من المخاطر الصحیه والبیئیه. ویقول المهندس والخبیر البیئی محمد العشی إن تراکم آلاف الأطنان من الرکام، واختلاطه بالنفایات الصلبه المنتشره فی المدینه ومحیط مکبات النفایات، یحمل آثارا "کارثیه أو خطیره للغایه" على البیئه والصحه العامه.
جثامین تحت الأنقاض
وتزداد خطوره الوضع مع استمرار وجود جثامین تحت الرکام، إذ إن عدم انتشالها یضیف بعدا إنسانیا وصحیا إلى الأزمه. ومع مرور الوقت، قد یؤدی تحلل الجثامین إلى زیاده مخاطر التلوث، فی وقت تواجه فیه الجهات المحلیه تحدیات کبیره فی الوصول إلى المناطق المدمره، فضلا عن نقص الآلیات والمعدات الثقیله اللازمه لعملیات البحث والانتشال وإزاله الأنقاض.
ولا یمثل الرکام مجرد بقایا مادیه للحرب، بل یتحول تدریجیا إلى مصدر خطر طویل الأمد، یمتد تأثیره إلى صحه السکان والبیئه وإمکانیه إعاده إعمار المدن.
ولا تأتی أزمه الرکام منفرده، إذ تتزامن مع أضرار واسعه لحقت بالبنیه التحتیه، وبینها شبکات الصرف الصحی، إلى جانب تراکم النفایات فی مناطق مختلفه من القطاع. وتفاقم هذه العوامل مخاطر التلوث وانتشار الأمراض، خصوصا فی ظل اعتماد أعداد کبیره من السکان على الخیام ومراکز الإیواء، وندره المیاه النظیفه والخدمات الصحیه.
وفی مدینه غزه، تبدو الأزمه أکثر حده بالنظر إلى حجم الرکام المتراکم، الذی تقدره البلدیه بنحو 25 ملیون طن، وهو رقم یجعل عملیه إزالته تحدیا یفوق قدرات المؤسسات المحلیه فی ظل الظروف الحالیه.
معدات ثقیله وإعاده إعمار
وتؤکد بلدیه غزه أن التعامل مع الرکام یتطلب معدات وآلیات ثقیله وقدرات فنیه متخصصه، إلى جانب فتح المعابر والسماح بإدخال المساعدات والمعدات اللازمه. ویقول المتحدث باسم البلدیه حسنی مهنا إن الأولویه تتمثل فی وقف الحرب وفتح المعابر وإنشاء ممر آمن لإدخال المساعدات والآلیات والمعدات الثقیله، معتبرا أن أزمه الرکام باتت تحمل أبعادا إنسانیه وصحیه وبیئیه تتطلب معالجه شامله.
کما تدعو البلدیه المؤسسات الدولیه والأممیه إلى الضغط من أجل بدء مرحله التعافی المبکر وإعاده الإعمار، باعتبار أن إزاله الرکام تمثل خطوه أساسیه لاستعاده الخدمات وتهیئه المناطق المتضرره للسکن وإعاده البناء.
وبینما تنتظر غزه بدء مرحله إعاده الإعمار، یبقى الرکام شاهدا على حجم الدمار، لکنه فی الوقت نفسه یتحول إلى إرث ثقیل للحرب؛ ملایین الأطنان التی تحتاج إلى إزاله وفرز ومعالجه، وجثامین لا تزال تنتظر انتشالها، ونفایات ومخلفات تهدد البیئه والصحه العامه.
ولا یعنی انتهاء القصف بالضروره انتهاء مخاطر الحرب؛ فبالنسبه إلى سکان غزه، قد تستمر تبعاتها لسنوات تحت أطنان الرکام.
المصدر: الجزیره