وکاله آریا للأنباء -
غزه- على مفترق طرق رئیسی فی مدینه غزه یرفع الشاب بلال معروف صوته بنداء المواطنین، عارضا علیهم نقلهم عبر عربته التی یجرها حمار إلى شاطئ البحر مقابل 5 شواکل (نحو 1.7 دولار) عن کل شخص.
ورغم بطء حرکه العربات وصعوبه سیرها على الطرق المتضرره من حرب الإباده فی قطاع غزه ، فإن الاعتماد على الحمیر تحول من خیار اضطراری فرضته أزمه المواصلات التی تفاقمت خلال الحرب، إلى وسیله لا یمکن الاستغناء عنها رغم تکلفتها المرتفعه.
وفی الوقت الذی بدا فیه التذمر على وجوه المواطنین الذین یقضون وقتا طویلا على الحمیر حتى یصلوا إلى وجهتهم، یشتکی مالکو العربات من ارتفاع تکالیف إطعام ورعایه الحمیر التی نفقت أعداد کبیره منها خلال العدوان الإسرائیلی الأخیر.

الحمیر وسیله النقل الأساسیه فی غزه لکن تکلفه اقتنائها عالیه (الجزیره) بدیل اضطراری
وتغیرت مهام الحمیر فی غزه خلال الأعوام الثلاثه الماضیه، فبینما کان یخصص معظمها للعمل الزراعی ونقل مواد البناء والأثاث، أصبحت وسیله أساسیه لتنقل المواطنین، کما یقول الشاب معروف للجزیره نت.
وأشار مالک العربه إلى أن تدمیر قوات الاحتلال لقطاع واسع من المرکبات العمومیه والخاصه، وقصف معظم الشوارع والطرقات أدى إلى ارتفاع کلفه النقل، وبالتالی زاد استخدام الحمیر التی تضررت أیضا فی الحرب وتراجعت أعدادها بعد نفوق الکثیر منها نتیجه الاستهداف المباشر، وتجویعها، وشح الأدویه البیطریه الخاصه بها.
ونوه معروف إلى أن المواطنین یلجؤون إلى العربات لنقل احتیاجاتهم من الأسواق وفی تنقلاتهم بین المناطق، فی وقت أصبحت فیه وسائل النقل الأخرى أقل توفرا وأکثر کلفه.
بطء وکلفه زائده
أما المواطنه وفاء الدرهلی فأمضت ما یزید على عشر دقائق تنتظر على العربه قبل أن یکتمل عدد رکابها، وقالت للجزیره نت: نضطر إلى استخدام العربات لعدم توفر السیارات، ولم یعد أمامنا سوى الحمیر للوصول إلى سکننا فی المناطق الشمالیه الغربیه من مدینه غزه التی تعرضت شوارعها ومبانیها لدمار کبیر.
وأوضحت أن العربه لا تمثل حلا مناسبا بالنسبه لها بسبب بطء الحمار، خصوصا عندما تکون بحاجه إلى الوصول سریعا لإنجاز مهمه أو شراء احتیاجات أساسیه.
وطالبت بعوده وسائل النقل إلى العمل بصوره طبیعیه وبأجور یستطیع المواطنون تحملها، مشیره إلى أن ارتفاع أسعار متطلبات الحیاه الیومیه والمواصلات ضاعف الأعباء على الأسر.

سعر الحمار الواحد فی غزه وصل إلى 11 ألفا و600 دولار (الجزیره) کلفه الاقتناء
وبالتوازی مع أزمه النقل، ارتفعت کلفه تشغیل العربات، فی ظل زیاده أسعار الحمیر والأعلاف وصعوبه توفیر العلاج البیطری.
ویشیر أصحاب العربات إلى أن نفوق أعداد کبیره من الحیوانات خلال الحرب، إلى جانب صعوبه إدخال حیوانات جدیده إلى القطاع، أسهم فی انخفاض أعداد الحمیر المتاحه للعمل وارتفاع أسعارها بصوره کبیره مقارنه بما کانت علیه قبل الحرب.
وارتفع سعر الحمار فی القطاع من نحو 1500 شیکل (نحو 500 دولار) قبل الحرب، إلى أکثر من 35 ألف شیکل (11.660 دولارا) الیوم، أی أکثر من 23 ضعف سعره السابق.
ویقول معاذ أبو عمیره -العامل على عربه- للجزیره نت إن ارتفاع أسعار الحیوانات جعل شراء حمار جدید أمرا مکلفا، لیس بمقدور معظم من یتخذون الحمیر مصدرا لدخلهم.
عبء إضافی
ولا یقتصر ارتفاع الکلفه على شراء الحمیر، إذ أصبح إطعامها عبئا إضافیا على أصحاب العربات، وصار توفیر الأعلاف تحدیا یضاف إلى کلفه إعاله الأسره.
ویشیر أبو عمیره إلى أن کلفه تغییر إطار واحد فقط للعربه -مستعملا ولیس جدیدا- یحتاج حالیا إلى 3 آلاف شیکل (نحو 1000 دولار)، مما یزید التکالیف التشغیلیه للحمار، بعدما کان ثمن الإطار قبل الحرب لا یتجاوز 250 شیکلا (نحو 83 دولارا).
ویلخص العامل المعضله بالقول إن صاحب العربه أصبح مطالبا بتوفیر الطعام لأسرته والحیوان الذی یعمل به، وکذلک تحمل جمیع تکالیف علاج الحمار وصیانه عربته الباهظه، لأن توقف الحمار عن العمل یعنی توقف مصدر رزقه.
نفوق ونقص فی العلاج
من جهته، یعزو الطبیب البیطری محمد أبو ورده جانبا من حالات نفوق الحیوانات والدواجن إلى نقص الأدویه واللقاحات والأعلاف، مشیرا إلى أن القطاع یعانی منذ بدایه الحرب من فقدان معظم الأدویه البیطریه الأساسیه.
ویضیف فی حدیثه للجزیره نت أن نحو 99% من الأدویه البیطریه الأساسیه مفقوده، بما یشمل المضادات الحیویه والمسکنات واللقاحات، التی لم تعد متوافره بصوره کافیه، مبینا أن نقص الأدویه تزامن مع أزمه الأعلاف وسوء التغذیه، مما یزید من أخطار إصابه الحیوانات ومنها الحمیر بالأمراض ونفوقها.
وفق الطبیب البیطری فإن بعض أصحاب الحیوانات والأطباء یضطرون إلى الاعتماد على کمیات محدوده من الأدویه التی کانت متوفره قبل الحرب، رغم أن جزءا منها أصبح منتهی الصلاحیه أو لم یعد من الأدویه الأساسیه المطلوبه.
ولا تتوافر إحصائیه رسمیه توضح أعداد الحمیر التی نفقت خلال الحرب. وکان تعداد زراعی فلسطین عام 2021 قد أفاد بوجود نحو 3560 حمارا فی قطاع غزه.
یظهر ارتفاع أسعار الأعلاف حجم الأزمه التی یواجهها أصحاب الحیوانات، إذ یقول الطبیب البیطری أبو ورده إن سعر کیس الشعیر (50 کیلوغراما) کان قبل الحرب یتراوح بین 60 و65 شیکلا (نحو 20 دولارا)، لکنه ارتفع خلالها إلى نحو ألفی شیکل (نحو 660 دولارا)، قبل أن یتراجع إلى نحو 170 شیکلا (نحو 56 دولارا) بعد توفر کمیات جدیده.

تکلفه اقتناء عربات الحمیر مرتفعه أیضا فی غزه إذ یصل سعر الکوشوک إلى ألف دولار (الجزیره) إجلاء حمیر
یؤکد أبو ورده أن الأولویه تتمثل فی إدخال الأعلاف والأدویه واللقاحات البیطریه إلى القطاع، لحمایه ما بقی من الثروه الحیوانیه والإنتاج المحلی.
وبالنسبه لأصحاب العربات، فإن زیاده أسعار الأعلاف والأدوات والعلاجات تعنی ارتفاع تکلفه کل رحله، فی وقت لا یستطیع فیه المواطنون تحمل أجور نقل مرتفعه، مما یجعل هامش الربح محدودا رغم ساعات العمل الطویله.
ویقول أبو عمیره إن تکلفه بعض العلاجات نحو 500 شیکل (نحو 166 دولارا)، فی حین یضطر أصحاب الحیوانات أحیانا إلى استخدام ما یتوفر لدیهم من علاجات ومواد بسیطه للتعامل مع الإصابات.
جدیر بالذکر أنه خلال الحرب على غزه أشارت تقاریر إلى إجلاء عشرات الحمیر من القطاع ونقلها إلى ملاذات آمنه فی أوروبا، بینها نحو 50 حمارا نُقلت جوا إلى أوروبا فی نوفمبر/تشرین الثانی 2025، ولا یتوافر رقم رسمی شامل یحدد إجمالی الحمیر التی أُخرجت من القطاع منذ بدء الحرب.
المصدر: الجزیره