وکاله آریا للأنباء - مواطن مصری یسیر مقابل إحدى الصرافات فی مصر (الفرنسیه)
عاد الاحتیاطی الفدرالی الأمریکی إلى تشدید سیاسته النقدیه برفع الفائده للمره الأولى منذ عام 2023، فی خطوه تعکس استمرار الضغوط التضخمیه وارتفاع کلفه الطاقه، وتعید إلى الواجهه مخاطر انتقال تداعیات السیاسه النقدیه الأمریکیه إلى اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوته على الدولار والتمویل الخارجی.
وقررت لجنه السوق المفتوحه الأمریکیه أمس بالإجماع رفع النطاق المستهدف للفائده بـ25 نقطه أساس إلى ما بین 3.75% و4%.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 بنک إنجلترا یثبت الفائده ویحذر من تضخم یتجاوز 4% list 2 of 2 وزیر الطاقه الأمریکی: تدفقات نفط الخلیج تسجل 18 ملیون برمیل فی یوم واحد end of list ولا یتوقف أثر القرار عند الأسواق الأمریکیه، فارتفاع کلفه المال بالدولار یمکن أن یعید تشکیل شروط الاقتراض وحرکه رؤوس الأموال وأسعار الصرف فی عدد من الاقتصادات العربیه، خصوصا تلک التی تربط عملاتها بالدولار.
وبینما سارعت بنوک مرکزیه خلیجیه إلى رفع أسعار الفائده بعد القرار، تبدو انعکاسات الخطوه مختلفه فی اقتصادات عربیه أخرى، بحسب نظام الصرف وحجم المدیونیه الخارجیه والاعتماد على الواردات وقدره کل اقتصاد على امتصاص الصدمات.
تشدید أمریکی
جاء قرار الفدرالی فی وقت لا تزال فیه معدلات التضخم الأمریکیه أعلى من هدف البنک المرکزی البالغ 2%، إذ تظهر توقعات سبتمبر/أیلول أن الفدرالی یتوقع وصول تضخم نفقات الاستهلاک الشخصی إلى 3.7% بنهایه 2026، مقابل 3.6% فی توقعات یونیو/حزیران، بینما رفع توقع النمو الاقتصادی إلى 2.3% وخفض توقع البطاله إلى 4.1%.
ولا تقتصر أهمیه القرار على الزیاده الحالیه، إذ تشیر توقعات صناع السیاسه النقدیه إلى إمکانیه رفع الفائده مره أخرى قبل نهایه العام، ووفقا للبیانات المنشوره عقب الاجتماع، یتوقع 16 من أصل 18 مشارکا زیاده واحده على الأقل بمقدار ربع نقطه مئویه قبل نهایه 2026، فی وقت لا یتوقع فیه الفدرالی بلوغ التضخم مستوى 2% قبل 2029.
ویربط الفدرالی استمرار الضغوط التضخمیه بعوامل عده؛ من بینها ارتفاع أسعار الطاقه والرسوم الجمرکیه وقوه الإنفاق الرأسمالی المرتبط بطفره الذکاء الاصطناعی ، بینما قال رئیسه کیفن وارش إن التضخم لا یزال مرتفعا، وإن القرار یستهدف دعم عودته بصوره أسرع إلى مستوى 2%.

مقر الاحتیاطی الفدرالی الأمریکی (رویترز) عدوى الفائده
ظهر الانتقال السریع للقرار إلى بعض الاقتصادات العربیه؛ خصوصا فی الخلیج، فقد رفع البنک المرکزی السعودی سعر اتفاقیه إعاده الشراء بـ25 نقطه أساس إلى 4.50%، والریبو العکسی إلى 4%، کما رفع مصرف الإمارات المرکزی سعر الأساس لتسهیلات الإیداع للیله واحده إلى 3.90%، بینما رفعت سلطنه عمان سعر إعاده الشراء إلى 4.50%.
وفی قطر ، رفع مصرف قطر المرکزی سعر فائده الإیداع بـ25 نقطه أساس إلى 4.10%، وسعر الإقراض إلى 4.60%، وسعر إعاده الشراء إلى 4.35%، على أن تدخل القرارات حیز التنفیذ اعتبارا من الخمیس 17 سبتمبر/أیلول. کما رفعت البحرین أسعارها بـ25 نقطه أساس، بینما اختارت الکویت الإبقاء على أسعارها دون تغییر، فی انعکاس لاختلاف أنظمه الصرف والسیاسات النقدیه داخل الخلیج.
ویُفسَّر هذا التفاوت جزئیا بطبیعه ارتباط العملات الخلیجیه بالدولار، فصندوق النقد الدولی یشیر إلى أن الاقتصادات ذات أنظمه الصرف الثابته أو المداره بإحکام تحتاج عاده إلى مواءمه سیاستها النقدیه مع العمله المرجعیه، مع الحفاظ على احتیاطیات أجنبیه کافیه لمواجهه مخاطر خروج رؤوس الأموال.
وفی هذا السیاق، یقول علی الغنبوری، الخبیر والمحلل الاقتصادی ورئیس مرکز الاستشراف الاقتصادی والاجتماعی، إن رفع الفدرالی للفائده لا ینبغی النظر إلیه باعتباره قرارا أمریکیا محضا، لکونه یحمل تداعیات واسعه على الاقتصاد العالمی والاقتصادات العربیه، من خلال تعزیز جاذبیه الدولار ورفع تکلفه التمویل الخارجی؛ خصوصا للدول والشرکات التی تعتمد على الاقتراض بالعمله الأمریکیه.
ویضیف الغنبوری، فی تصریح للجزیره نت، أن استمرار السیاسه النقدیه الأمریکیه فی اتجاه أکثر تشددا قد یدفع عددا من البنوک المرکزیه العربیه إلى الحفاظ على مستویات فائده مرتفعه؛ خصوصا فی الاقتصادات التی تربط عملاتها بالدولار، بهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف ، لکنه یؤکد فی المقابل أن التأثیر لن یکون موحدا بین الدول العربیه.
الدولار والواردات
یمر الأثر الثانی عبر سوق الصرف، فعندما ترتفع جاذبیه الأصول المقومه بالدولار، یمکن أن تتعرض بعض العملات لضغوط، بینما ترتفع کلفه السلع والخدمات التی تسدد بالدولار، وتصبح هذه القناه أکثر أهمیه بالنسبه إلى الاقتصادات التی تعتمد على استیراد الطاقه والغذاء والمواد الأولیه والمعدات.
ویرى الغنبوری أن الاقتصادات العربیه المصدره للطاقه قد تستفید جزئیا من ارتفاع أسعار النفط والإیرادات الدولاریه، فی حین تواجه الدول المستورده للطاقه ضغوطا أکبر على فاتوره الاستیراد والتضخم والحسابات الخارجیه.
وأردف الخبیر والمحلل الاقتصادی أن التأثیر مثلا بالنسبه إلى المغرب یرتبط أساسا بحرکه الدولار وأسعار الطاقه وکلفه التمویل فی الأسواق الدولیه وتطور الطلب الخارجی.
وتظهر أهمیه هذه القناه فی السلع التی تعتمد على مدخلات مستورده؛ من الطاقه والغذاء إلى المعدات والآلات والسلع الاستهلاکیه، وبالنسبه إلى الأسر، قد لا یظهر أثر رفع الفائده الأمریکیه فی صوره زیاده مباشره فی سعر سلعه بعینها، لکنه یمکن أن یصل إلیها عبر ارتفاع کلفه التمویل أو الاستیراد أو النقل أو الإنتاج.
وفی هذا السیاق، یشیر أمین سامی، المستشار الدولی فی الاقتصاد والتخطیط الإستراتیجی، إلى أن القرار الفدرالی یمثل عملیا إعاده تسعیر لکلفه المال بالدولار عالمیا، وأن حجم الصدمه بالنسبه إلى کل دوله عربیه یتحدد بنظام الصرف ودرجه المدیونیه بالعمله الأجنبیه والاعتماد على الواردات وحجم الاحتیاطیات والوضعین التضخمی والمالی الداخلی.

مواطن مصری یسیر أما إحدى الصرافات (رویترز) القروض والأسر
بالنسبه إلى الأسر، تُعد کلفه الاقتراض واحده من أکثر القنوات وضوحا، فإذا رفعت البنوک المرکزیه المحلیه أسعارها استجابه لضغوط الصرف أو التضخم، یمکن أن ترتفع تکلفه القروض الجدیده، کما یمکن أن تتأثر القروض ذات الفائده المتغیره، ما یضغط على قدره الأسر على الاقتراض والإنفاق.
ویشمل ذلک قطاعات ترتبط ارتباطا مباشرا بالتمویل، مثل السکن والسیارات وبعض السلع المعمره، فضلا عن استثمارات المقاولات الصغیره والمتوسطه، وکلما ارتفعت تکلفه التمویل، یمکن أن تتراجع شهیه الأسر والشرکات للاقتراض، وهو ما یضغط بدوره على الاستهلاک والاستثمار.
ویرى أمین سامی أن الأسر قد تواجه ضغطا مزدوجا إذا اجتمعت زیاده کلفه المعیشه مع ارتفاع کلفه المال، موضحا أن التأثیر یمکن أن یصل إلیها عبر ارتفاع أسعار بعض السلع المستورده، وارتفاع فوائد القروض، وتباطؤ خلق فرص الشغل، فضلا عن أی زیادات محتمله فی الضرائب غیر المباشره أو أسعار الخدمات المدعومه.
وبالنسبه إلى المقاولات، یحدد سامی ثلاثه مصادر للضغط؛ تتمثل فی ارتفاع کلفه المواد المستورده، وارتفاع کلفه التمویل، وضعف الطلب الداخلی، مشیرا إلى أن الشرکات الصغیره والمتوسطه تکون غالبا أکثر حساسیه من الشرکات الکبرى التی تستطیع الوصول إلى مصادر تمویل متعدده.
القطاعات الأکثر تأثرا
تأتی الطاقه والنقل فی مقدمه القطاعات الحساسه، فالدول المستورده للطاقه قد تواجه ارتفاعا فی کلفه النفط والغاز بالعمله المحلیه إذا تعزز الدولار، حتى فی حال بقاء السعر العالمی للسلعه مستقرا، وإذا اجتمع الدولار القوی مع ارتفاع أسعار الطاقه، تصبح الضغوط أکثر حده.
وینتقل أثر الطاقه بعد ذلک إلى النقل واللوجستیک ثم إلى تکالیف الإنتاج والتوزیع، بما قد ینعکس على أسعار السلع الاستهلاکیه، وأما الدول المصدره للطاقه، فقد تستفید من زیاده الإیرادات الدولاریه، مما یوفر لها هامشا مختلفا فی مواجهه ارتفاع کلفه التمویل.
ویأتی الغذاء ضمن القطاعات الحساسه أیضا، بالنظر إلى أن جانبا مهما من تجاره الحبوب والزیوت والسکر والأعلاف والمواد الأولیه الغذائیه یجری بالدولار أو یتأثر بحرکته، ولذلک یمکن لضعف العمله المحلیه أمام الدولار أن یرفع فاتوره الاستیراد حتى دون تغیّر کبیر فی السعر العالمی للسلعه.
ویتأثر أیضا کل من الطیران والسیاحه بسبب ارتباط جانب من تکالیف الوقود والطائرات وقطع الغیار والتأجیر والتمویل بالدولار، وقد یؤدی ارتفاع العمله الأمریکیه إلى زیاده تکالیف بعض شرکات الطیران العربیه، فی حین یمکن أن تستفید بعض الوجهات السیاحیه إذا أصبحت أقل کلفه بالنسبه إلى السائح الذی یحمل الدولار.
وتواجه الصناعه بدورها ضغوطا عندما تعتمد على الآلات والتجهیزات والمکونات والمدخلات المستورده بالدولار، غیر أن التأثیر یختلف بین شرکه وأخرى؛ فالمؤسسه التی تصدر وتحصل على إیرادات بالدولار قد تمتلک ما یُعرَف بالتحوط الطبیعی، بینما تکون الشرکه التی تنتج للسوق المحلیه وتستورد مدخلاتها بالدولار أکثر تعرضا لتقلبات سعر الصرف.
ویمتد الأمر إلى التکنولوجیا والاتصالات، حیث ترتبط البرمجیات والخدمات السحابیه والرقائق ومعدات الشبکات والتراخیص والعقود الرقمیه الدولیه بدرجات مختلفه بالدولار، وهو ما قد یجعل ارتفاع العمله مصدرا لزیاده کلفه بعض الخدمات والمدخلات التکنولوجیه.
الدیون العامه
لا یقتصر أثر تشدید السیاسه النقدیه على القروض الخاصه، بل یمتد إلى المالیه العمومیه عندما تحتاج الدول إلى إعاده تمویل دیونها الخارجیه أو إصدار دیون جدیده فی أسواق دولیه ذات عوائد مرتفعه.
ویحذر الغنبوری من أن استمرار الفدرالی فی رفع الفائده خلال ما تبقى من العام قد یضیف ضغوطا على الاقتصادات العربیه من خلال ارتفاع کلفه الاقتراض الخارجی وقوه الدولار وارتفاع تکلفه الواردات، مع اختلاف هامش المناوره من دوله إلى أخرى بحسب مستوى المدیونیه واحتیاطیات النقد الأجنبی، وطبیعه نظام الصرف، وقدره الاقتصاد على الإنتاج المحلی.
وأما أمین سامی، فیربط ارتفاع کلفه خدمه الدین بتزامن أربعه عوامل؛ تتجلى فی ارتفاع الفائده الأمریکیه، وقوه الدولار، وارتفاع عوائد السندات ، وحاجه الدول إلى إعاده تمویل دیون کبیره، وفی هذه الحاله یمکن أن ترتفع کلفه خدمه الدین الجدید حتى من دون زیاده أصل الدین.
ولا یعنی ذلک بالضروره أن الحکومات ستتجه مباشره إلى زیاده الضرائب أو خفض الإنفاق، فبشکل عام، توجد أدوات أخرى؛ بینها إعاده جدوله آجال الدین، وزیاده الاعتماد على التمویل الداخلی، واللجوء إلى تمویلات متعدده الأطراف بشروط أفضل، وإعاده ترتیب الاستثمارات العمومیه، وتحسین التحصیل الضریبی، وتعبئه الأصول العمومیه، أو إعاده توجیه الدعم.
ولکن الضغط المالی یصبح أکثر تعقیدا إذا جرى اللجوء إلى سیاسه انکماشیه قویه فی وقت یتباطأ فیه الاقتصاد، إذ یمکن أن یؤدی رفع الضرائب إلى تقلیص الدخل المتاح للأسر، بینما قد یؤثر خفض الاستثمار العمومی فی الطلب وفرص الشغل والاستثمار الخاص.

مصرف قطر المرکزی رفع الفائده أمس (رویترز) ثلاث صدمات
یختصر أمین سامی انتقال القرار الأمریکی إلى العالم العربی فی منظومه مترابطه تبدأ من الفدرالی ثم الدولار، فتدفقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف وأسعار الواردات والتضخم، قبل أن تصل إلى السیاسه النقدیه المحلیه والائتمان والاستثمار والاستهلاک والنمو والتشغیل، ثم المالیه العمومیه والدین وکلفه التمویل.
وبذلک لا تعنی زیاده قدرها 25 نقطه أساس فی واشنطن بالضروره زیاده مماثله فی کل اقتصاد عربی، لکنها یمکن أن تنتقل عبر قنوات متعدده لتظهر فی کلفه قرض لمقاوله أو فاتوره محروقات أو خدمه دین أو أسعار بعض المواد الغذائیه.
ویضع سامی أمام هذه الاقتصادات ثلاث قنوات رئیسیه محتمله للصدمه، تظهر فی صدمه نقدیه عبر أسعار الفائده ، وصدمه صرف عبر الدولار، وصدمه مالیه عبر کلفه الدین والتمویل، وتختلف درجه التعرض لهذه القنوات بحسب نظام الصرف والاحتیاطیات والدیون وهیکل الواردات وقدره الاقتصاد على الإنتاج المحلی.
وبالنسبه إلى الأسر، تکمن المسأله فی تزامن أکثر من أثر یبرز فی ارتفاع محتمل فی کلفه الاقتراض، وزیاده فی أسعار بعض السلع المستورده، وضغوط على التشغیل والدخل الحقیقی.
وأما الحکومات، فتواجه فی المقابل اختبارا یتعلق بکیفیه الموازنه بین استقرار الأسعار والعملات واستدامه الدین، وبین حمایه الاستثمار والنمو والقدره الشرائیه.
المصدر: الجزیره