وکاله آریا للأنباء - یُعدّ مصرع داغ همرشولد، الأمین العام الثانی للأمم المتحده، فی حادث تحطم طائره فی الثامن عشر من سبتمبر عام 1961، واحدا من الألغاز التی ظلت معلّقه دون حل طوال القرن العشرین.
منذ وقوع الحادث، ظلت الروایه الرسمیه تشیر إلى أنه کان حادثا عرضیا، غیر أن أصواتا عدیده تحدثت عن دلائل أقوى ترجّح وجود سبب أکثر غموضا وشرا، وهو ما جعل تحقیقات الأمم المتحده والمطالبات بالکشف عن الحقیقه تتواصل على مدى عقود.
کان همرشولد فی ذلک الوقت فی رحله یهدف من خلالها إلى إجراء مفاوضات مع مویز تشومبی، زعیم الانفصالیین فی مقاطعه کاتانغا فی جمهوریه الکونغو الدیمقراطیه، فی فتره شهدت صراعا محتدما. سعى الأمین العام للأمم المتحده حینها إلى تأمین وقف لإطلاق النار ومنع تصاعد الصراع فی هذا البلد الإفریقی.
بعد الحادث، خلص تحقیق لاحق أجرته لجنه مستقله تابعه للأمم المتحده إلى أنه من "المحتمل" أن یکون هجوم أو تهدید خارجی سببا فی تحطم الطائره، وهو ما أبقى الظروف الدقیقه للحادث محاطه بالغموض والتکهنات.
کانت طائره همرشولد من طراز "دوغلاس دی سی-6 بی" قد أقلعت مساء یوم السابع عشر من سبتمبر. تلقت أبراج المراقبه الجویه رساله من الطیار تفید بأنه یرى أضواء الهبوط، ثم فُقد الاتصال بعد ذلک. عُثر على حطام الطائره بالقرب من مدینه ندولا فی زامبیا الحالیه، التی کانت تسمى وقتها رودیسیا الشمالیه، وکان موقع الحطام على بعد نحو خمسه عشر کیلومترا من المطار.
حُدّد الوقت التقریبی للتحطم فی حوالی الساعه 00:20 بالتوقیت المحلی لیله السابع عشر إلى الثامن عشر من سبتمبر، استنادا إلى ساعات عُثر علیها فی موقع الحادث وکانت قد توقفت عند لحظه الارتطام. لقی جمیع من کانوا على متن الطائره حتفهم، وعددهم سته عشر شخصا: عشره رکاب، بینهم الأمین العام للأمم المتحده، وسته من أفراد الطاقم. أما الناجی الوحید فکان الرقیب هارولد جولیان، وقد توفی لاحقا متأثرا بجراحه.

داغ همرشولد ، الأمین العام الثانی للأمم المتحده عزا التقریر الرسمی الأولی، الذی أعدته سلطات الاستعمار البریطانی، التحطم إلى خطأ ارتکبه الطیار، وهو استنتاج قوبل بتشکیک واسع النطاق لافتقاره إلى أدله قاطعه. أدى ذلک إلى ظهور مزاعم متواصله تفید بأن الطائره أُسقطت على ید مرتزقه یقاتلون لصالح إقلیم کاتانغا الانفصالی، وربما بمشارکه طائره ثانیه مجهوله الهویه.
أُجریت عده تحقیقات رسمیه، أشارت نتائجها إلى أن خطأ الطیار هو السبب الأکثر ترجیحا، وأن قراءه خاطئه لمقیاس الارتفاع دفعت الطائره إلى التحلیق فی مسار اقتراب منخفض للغایه، ما أدى إلى اصطدامها بأطراف الأشجار. شملت النظریات الأخرى التی جرى التوقف عندها الأعطال الفنیه، ونفاد الوقود، واحتمال تعرض الطائره لإطلاق نار. مع ذلک، لم یُعثر على أدله قاطعه تدعم أیا من هذه النظریات البدیله.
مع ذلک رفض البعض هذا التفسیر، مستندا إلى عده حجج، منها إفاده سکان محلیین بأنهم رأوا طائره ثانیه، ومشاهدتهم ومضات ضوئیه فی السماء قبیل تحطم الطائره. کما أن الناجی الوحید، الرقیب هارولد جولیان، کان قد صرّح قبیل وفاته بأنه سمع دوی انفجار، إلا أن أقواله لم تؤخذ محمل الجد، واعتُبرت مجرد هلوسات رجل یحتضر، نظرا لعدم العثور على أی آثار لمتفجرات فی حطام الطائره.
الأدهى من ذلک اکتشاف آثار أعیره ناریه على جثث بعض الرکاب، وقد برر التفسیر الرسمی ذلک بالقول إن الرصاص لم یُحدث سوى خدوش سطحیه، وإن الإصابات الفعلیه نتجت عن اشتعال الذخیره التی کان یحملها أفراد الأمن أثناء الحریق. إلا أن بعض الخبراء لم یقتنعوا بهذا التفسیر. وظهر تناقض آخر فی أقوال شهود العیان، إذ ذکروا أن قوات الجیش البریطانی فرضت طوقا أمنیا حول موقع التحطم قبل وقت طویل من العثور رسمیا على الحطام.
مُنح همرشولد جائزه نوبل للسلام عام 1961، بعد أسابیع قلیله فقط من مصرعه، لیصبح بذلک واحدا من اثنین فقط من أمناء الأمم المتحده العامین الذین نالوا هذا التکریم.
یُعدّ مقتل الأمین العام الثانی للأمم المتحده لحظه مفصلیه فی تاریخ السوید التی ینتمی إلیها، وقد وُصف بأنه یوازی فی أهمیته اغتیال کل من جون کینیدی ومارتن لوثر کینغ.
إلى ذلک، تواصل الأمم المتحده دعوه الدول الأعضاء إلى رفع السریه والکشف عن أی معلومات تتعلق بهذا الحادث المأساوی، مشدده على أن الحقیقه الکامله لما تعرض له داغ همرشولد والأشخاص الخمسه عشر الآخرین الذین لقوا حتفهم معه لا تزال غامضه ولم تتضح حتى الآن.
المصدر: RT