وکاله آریا للأنباء - آلاف الفلسطینیین باتوا من دون مأوى لائق بسبب حرب الإباده التی شنها الاحتلال الإسرائیلی على مدى أکثر من عامین (وکاله الأناضول)
لم یکن طوفان الأقصى مجرد هجوم زعزع أرکان دوله الاحتلال الإسرائیلی، بل أنتج أیضا طوفانا من الاهتمام فی الصحافه العربیه والعالمیه بمتابعه ما یجری فی فلسطین وخصوصا فی غزه، ذلک القطاع المقاوم الصغیر فی المساحه والمزدحم بالسکان.
ورغم أن وقف إطلاق النار الذی تم الإعلان عنه بعد عامین من الإباده لم یوقف الحرب بشکل کامل، فلا غذاء ولا دواء ولا إعاده للإعمار، بل ولم تتوقف اعتداءات الاحتلال أصلا بشکل کام، إلا أن المتابع للإعلام یلحظ تراجعا فی تغطیه أوضاع قطاع غزه، خصوصا فی ظل أحداث أخرى کبیره تتصدرها الحرب الأمریکیه الإسرائیلیه على إیران التی اندلعت منذ فبرایر/شباط الماضی وأنتجت آثارا سلبیه کبیره على المنطقه بل والعالم أجمع.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 مکان واحد وصور مختلفه.. کیف تبدو غزه على خرائط غوغل وآبل؟ list 2 of 2 محامون دولیون: قدمنا أدله جدیده للجنائیه الدولیه لإصدار مذکرات توقیف لقاده الاحتلال end of list فهل تراجع الاهتمام فعلا؟ وإن کانت الإجابه بالإثبات فما الأسباب؟
ماذا جرى؟
فی السابع من أکتوبر/تشرین الأول 2023، تسلل مئات المقاتلین من عناصر النخبه فی کتائب القسام عبر ثغرات فی السیاج المحیط بقطاع غزه وتقدموا لمسافه تصل إلى 22 کیلومترا داخل إسرائیل، فی عملیه غیر مسبوقه شملت اقتحام 12 قاعده عسکریه و22 مستوطنه.
وأسفرت العملیه فی ذلک الیوم عن مقتل 1179 إسرائیلیا وأسر 251 آخرین، وفقا لمعهد دراسات الأمن القومی الإسرائیلی التابع لجامعه تل أبیب، ووصفت وسائل إعلام إسرائیلیه ذلک بالیوم الأسود فی تاریخ إسرائیل.
قالت حرکه حماس إنها شنت هجومها ردا على انتهاکات مستمره على مدى سنوات منها الاعتداءات المتکرره على حرمه المسجد الأقصى واستمرار إسرائیل فی سیاسات تهوید القدس وتوسیع الاستیطان، وانتهاکات حقوق الأسرى فی سجون الاحتلال إضافه إلى حصار غزه ومخططات تصفیه وإنهاء المشروع الوطنی الفلسطینی.
وما هی إلا ساعات حتى بدأت إسرائیل بآلتها الحربیه الهائله حرب إباده لا هواده فیها، استهدفت القطاع الفلسطینی بمقاومیه ومدنییه، وطال القصف المدمر حتى المساجد والمدارس والمستشفیات.
وبعد أکثر من عامین من الحرب المتواصله تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار لم یحل دون اعتداءات إسرائیلیه متفرقه، لتصل حصیله الضحایا الفلسطینیین إلى نحو 74 ألف شهید و175 ألف مصاب، فضلا عن تدمیر نحو 90% من البنیه التحتیه المدنیه فی القطاع.

کتائب القسام فاجأت الاحتلال بهجوم کبیر رغم شح الإمکانیات (مواقع التواصل) طوفان التغطیه
منذ اللحظه الأولى کان الاهتمام کبیرا بل جارفا بما جرى، حیث لم یتوقع أحد أن تتمکن حرکه مقاومه فی قطاع یحاصره احتلال غاشم، من إلحاق کل هذا الضرر بالمحتل الذی فرض وجوده على أرض فلسطین منذ 1948 مستغلا قوته المتنامیه والدعم من دول کبرى تتقدمها الولایات المتحده.
ثم جاءت حرب الإباده التی شنها الاحتلال لتجذب درجه غیر مسبوقه من التغطیه، استمرت طویلا بسبب ما أقدمت علیه إسرائیل من تجاوز لکل القوانین والأعراف بل والأخلاقیات عبر حرب إباده طالت البشر، والشجر والحجر، ولم تنج منها حتى الحیوانات.
صحیح أن بعض وسائل الإعلام، معظمها غربیه وبعضها عربیه، حاولت إلقاء اللوم على حرکه تقاوم المحتل، لکن فی کل الأحوال ظلت المتابعه للحدث کبیره وکثیفه، ولم یجد حتى الإعلام المساند لإسرائیل بدا من إدانه إفراطها فی القصف وتجاوزها لکل الخطوط الحمراء.
ومنذ أواخر 2023 وعلى مدى نحو عامین ظلت الحرب على غزه إحدى أکثر الملفات حضورا فی نشرات الأخبار وعلى المنصات الرقمیه فی کثیر من أنحاء العالم.
الجزیره کانت فی الصداره کعادتها، حیث فتحت شاشتها تغطیه متواصله على مدار الساعه لما یجری فی غزه، کما تصدرت موقعها مدونه بث مباشر تتابع التطورات على مدار اللحظه کما تعنى بالتداعیات وردود الفعل.
التقاط الأنفاس
فی أکتوبر/ تشرین الأول 2025، تم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار فی غزه دخل حیز التنفیذ فی الیوم العاشر من الشهر، لتتوقف حرب الإباده دون أن تتوقف الاعتداءات الأخرى من احتلال وحصار وغارات بین الحین والآخر، وهی اعتداءات طالت أیضا مدنا ومخیمات فلسطینیه فی الضفه الغربیه.
هدأت وتیره الحرب، فبدأ أهل غزه فی التقاط الأنفاس، ومعهم عاد الإعلام للاهتمام بتغطیه ملفات کانت قد توارت جزئیا مثل الحرب فی کل من السودان وأوکرانیا، ناهیک عن تداعیات عوده دونالد ترمب للسلطه فی الولایات المتحده وما یعنیه ذلک من زخم فی التصریحات والمواقف المثیره فی معظمها للجدل.
لکن صباح الثامن والعشرین من فبرایر/شباط 2026 حمل معه أخبارا سیئه مجددا للشرق الأوسط وربما للعالم أجمع، حیث بدأت الولایات المتحده وإسرائیل حربا على إیران، لم تقتصر على 12 یوما فقط کالحرب التی سبقتها فی یونیو/حزیران من العام الماضی، وإنما امتدت حتى وقتنا هذا مع اختلاف فی درجه سعیرها.
لم تمر إلا ساعات حتى امتدت آثار الحرب إلى خارج نطاق الدول المتحاربه، فإیران استهدفت دول الخلیج، وأغلقت مضیق هرمز، والولایات المتحده حاصرت السواحل الإیرانیه، فتراجع إنتاج الطاقه وتعثر تصدیرها بالمستویات المعتاده، لیمتد التأثیر السلبی إلى کل أنحاء العالم تقریبا.
ومع تصریحات تکاد تکون على مدار الساعه من الرئیس ترمب، أصبح طبیعیا أن تنتزع الحرب على إیران صداره قائمه الاهتمامات الإعلامیه عربیا وحتى عالمیا.
فی الأثناء، لم یعد الناس إلى حیاتهم الطبیعیه فی فلسطین وخصوصا قطاع غزه الذی بات محتلا ومحاصرا، فالهدنه هشه وجیش الاحتلال الإسرائیلی یواصل الغارات والهجمات بین الحین والآخر، وحصیله الشهداء لا تتوقف، کما أن مئات الآلاف ما زالوا نازحین بعد أن هدمت غارات إسرائیل الوحشیه منازلهم.
الأزمه لم تنته
وحتى من ظلت منازلهم قائمه اکتشفوا مع الوقت أنها آیله للسقوط وأن انهیارها وارد فی أی وقت، ومع ذلک فقد ظل الکثیرون فیها ینتظرون مصیرهم خصوصا وأنهم لا یجدون بدیلا للمأوى، کما یفتقدون الغذاء والدواء، ویفتقدون حتى الأمل فی حل قریب.
قبل الفلسطینیون مضطرین بمجلس السلام الذی تبناه ترمب، بل وقبلت حماس المضی قدما فی عملیه نزع أو حصر السلاح وتسلیمه إلى جهه فلسطینیه، لکن إسرائیل ظلت تضع العراقیل وتتنصل من کل الاتفاقات.
وأصبحت المعضله أنک لو قارنت الوضع فی غزه الآن بما کان فی ظل حرب الإباده الإسرائیلیه فستظن أن الأزمه قد انتهت، فی حین أنک لو وقفت على واقع الناس فستدرک أن المأساه مستمره وأن توابعها ممتده، لکنک لن تجد صدى ذلک فی الإعلام کما اعتدت أن تجده من قبل.
هذا ما کان سهلا أن نلاحظه نحن العاملون بالأخبار، والمنخرطون فیها لیل نهار، لکننا أردنا توثیق الأمر من فریق رادار الجزیره، فوافانا بنتیجه مسح شمل مراجعه لست من وسائل الإعلام العربیه، فماذا کانت النتیجه؟
رادار الجزیره
= بدایه شمل بحث رادار 6 منصات هی: القدس، الجزیره نت، عربی21، الشرق الأوسط، سکای نیوز عربیه، والعربی الجدید. واستخدم الفریق استعلاما أساسیا یجمع مصطلحات، فلسطین وغزه وقطاع غزه والضفه الغربیه.
اعتمد الفریق على Media Cloud، وهی منصه مفتوحه المصدر للبحث وتحلیل النظم الإعلامیه. وتذکر المنصه أن قاعده بیاناتها العالمیه تضم أکثر من ملیار ماده إخباریه. وفقا لرادار، بلغت حصه فلسطین من الأخبار فی عام 2025 نحو 30.2% وانخفضت فی الأشهر الثمانیه الأولى من العام الحالی إلى 14.4% أی بنسبه تراجع نحو 52%. سجلت التغطیه ذروه واضحه بین أغسطس وأکتوبر 2025، حین اقتربت الحصه الشهریه من 38%-39%، ثم انخفضت بحده مع بدایه 2026 واستقرت غالبا فی نطاق 12%-16%. عند تطبیق الفترات الزمنیه نفسها المستخدمه فی تحلیل أمیرکی نشرته FAIR فی ینایر 2026 باستخدام Media Cloud، ظهر اتجاه متشابه: موجه صعود مرتبطه بحدث کبیر، ثم انتقال إلى مستوى أقل من الفتره السابقه. وحرصت دراسه رادار على التنبیه بأن البیانات وحدها لا تسمح باستنتاج أن الجمهور أصبح أقل اهتماما بفلسطین، لکنها تثبت أن فلسطین شغلت حصه أصغر من الأجنده الإخباریه للعینه خلال 2026 مقارنه بعام 2025.
کما أوضحت الدراسه أن بیانات مؤشر اهتمام الجمهور عبر جوجل تریند Google Trends قدمت تأکیدا آخر على النتیجه التی تم التوصل إلیها بشأن تحلیل التغطیه الإعلامیه، إذ یظهر مؤشر البحث العالمی عن فلسطین خلال الفتره من ینایر 2025 حتى نهایه أغسطس 2026 تراجعا واضحا فی مستوى الاهتمام بعد موجات ارتفاع مرتبطه بتطورات کبرى.
فقد سجل المؤشر مستویات مرتفعه مطلع 2025، ثم ارتفع مجددا خلال النصف الثانی من العام لیبلغ ذروته عند 100 نقطه تقریبا فی أکتوبر 2025، قبل أن ینخفض بصوره حاده إلى نحو 60 نقطه فی نوفمبر، ویواصل التراجع خلال 2026 لیصل إلى نحو 40 نقطه فی مارس وأبریل، مع تعاف محدود لاحقا إلى حدود 50 نقطه خلال الصیف.
ویشیر هذا المسار إلى أن الانخفاض الذی رصدته Media Cloud فی حصه فلسطین من التغطیه الإعلامیه ترافق کذلک مع تراجع نسبی فی اهتمام مستخدمی محرک Google بالموضوع، مع بقاء الاهتمام حساسا للأحداث الکبرى التی تعید رفعه مؤقتا.
وأخیرا، فقد لفت فریق رادار إلى أن غوغل تریندس لا یقیس العدد المطلق لعملیات البحث، وإنما یعرض الاهتمام النسبی على مقیاس من 0 إلى 100، بحیث تمثل 100 أعلى نقطه اهتمام خلال الفتره والموقع المحددین.
تراجع ملحوظ
حملنا الدراسه المسحیه التی قام بها فریق رادار الجزیره، واتجهنا بها إلى الزملاء فی قسم المقابلات بالجزیره نت، الذین استطلعوا رأی عدد من خبراء الإعلام واتجاهات القراء، بشأن هذه القضیه.
الأول کان مدیر المؤسسه الوطنیه الفلسطینیه للإعلام، إبراهیم المدهون، الذی استهل حدیثه للجزیره نت مقرا بوجود تراجع فی المتابعه الإعلامیه للقضیه الفلسطینیه والشأن الفلسطینی مقارنه بالفتره الأولى من الحرب، ومعتبرا أن الأمر یمکن ملاحظته بوضوح.
وفی تفسیره للأسباب، عاد المدهون إلى بدایه الحرب، وتحدیدًا بعد عملیه السابع من أکتوبر، حیث کان هناک حدث استثنائی ومواجهه مفتوحه، وکانت المقاومه متماسکه وقادره على تقدیم روایه إعلامیه متجدده، عبر البیانات والفیدیوهات وتلک الإطلالات التی کان یظهر فیها الملثم أبو عبیده متحدثا باسم کتائب القسام.
یقول المدهون إن هذه المواد کانت تحمل بالنسبه لکثیر من الناس عناصر البطوله والتحدی والأمل، وتدفعهم إلى المتابعه والتفاعل والشعور بأنهم جزء من المشهد، أما الیوم، وبعد أن طال أمد الحرب والأزمه، فقد حدث نوع من الإرهاق لدى الجمهور، تکررت المشاهد، وتکررت المأساه، وأصبح الإنسان یشاهد القصف والدمار والنزوح والجوع والموت بصوره شبه یومیه.
صوره البطل المقاوم
وهنا یرکز الإعلامی الفلسطینی على جانب نفسی یتمثل فی میل الناس إلى متابعه البطوله أکثر من متابعه المأساه المستمره، فالکثیرون یحبون أن یروا أنفسهم فی صوره البطل الذی یواجه الدبابه ویقاوم، لکنهم لا یریدون أن یروا أنفسهم فی صوره متابع عاجز أمام أم فقدت أبناءها، أو عائله هُدم بیتها، أو إخوان یعانون آلام الجوع والقهر والدمار.
یمضی المدهون فی تحلیله النفسی قائلا إن مشاهده المأساه المستمره لا تضع الإنسان فقط أمام مشاعر الحزن، وإنما تضعه أیضًا أمام سؤال المسؤولیه: ماذا أستطیع أن أفعل؟ ولماذا أنا صامت؟ ولذلک قد یتحول التعرض المستمر للمأساه لدى بعض الناس من التعاطف إلى الإرهاق، ثم إلى التجنب النفسی.
وضمن المحور نفسه، یشیر المدهون إلى ما یسمیه بالهروب المعنوی عندما یشاهد البعض ما یجری فی غزه، مع الشعور بالعجز تجاه وقف ما یجری، وهنا یصبح الابتعاد عن المشهد وسیله لتخفیف هذا الشعور.

أبو عبیده المتحدث باسم کتائب القسام کان من الوجوه الأکثر جذبا للإعلام (الجزیره)
لکن هناک بعدا آخر، یتمثل فیما یصفه المتحدث بحرب على المحتوى الفلسطینی، أو على الأقل قیود وممارسات خوارزمیه تؤثر فی وصوله. ویشیر فی هذا الصدد إلى تقاریر بشأن تقلیل انتشار بعض المحتویات المتعلقه بفلسطین، وإغلاق أو تقیید بعض الصفحات التی تنشر هذا المحتوى على منصات التواصل الکبرى. وهذا یؤدی عملیًا إلى تضییق مساحه وصول الروایه الفلسطینیه إلى الجمهور، حتى عندما یکون الجمهور نفسه راغبًا فی متابعتها.
وهناک أیضا العامل الإقلیمی والعالمی المتعلق بسلسله الحروب، بدایه من حرب روسیا وأوکرانیا التی لا تزال مستمره ثم الحرب بین الهند وباکستان والهجمات الإسرائیلیه على لبنان والتغییر الکبیر الذی شهدته سوریا، نهایه بالحدث الأکبر المتعلق بالحرب على إیران وتداعیاتها ومن بینها التهدیدات المباشره التی تشعر بها دول الخلیج.
کل هذه التطورات، یرى المدهون أنها خلقت ملفات جدیده تنافس فلسطین على مساحه الاهتمام الإعلامی وعلى وقت الجمهور، ومع ذلک فهو یعتقد أن القضیه الفلسطینیه لم تفقد أهمیتها، وما حدث هو تغیر فی درجه المتابعه الیومیه وطریقه استهلاک الجمهور للمحتوى، لن یؤثر على کونها القضیه المحوریه فی المشهد حتى لو تراجعت درجه المتابعه الإعلامیه لها فی بعض الفترات.
التشرذم الفلسطینی
کما تحدثت الجزیره نت إلى المختص فی الشؤون الأمنیه والعسکریه أسامه خالد، فاختار أن یبدأ بالإشاره على أن الانسداد الحاصل فی الأفق السیاسی والأمنی والتفاوضی على مستوى القضیه الفلسطینیه، یلقی بظلاله على مستوى التفاعل والمشارکه بما یخص الملف الفلسطینی برمته.
کما أشار الخبیر الفلسطینی إلى حاله التشرذم الحاصله فی المواقف السیاسیه فی البیت الداخلی الفلسطینی بین فتح والسلطه الفلسطینیه ومن معها من جهه؛ وبین حماس ومن معها من جهه أخرى، مؤکد أن هذا یسهم فی ارتفاع وانخفاض مستوى الاهتمام الاقلیمی والدولی بعمق الملف الفلسطینی وما یجری حتى فی غزه.
المحور الثالث فی تحلیل أسامه خالد یرتبط بالناحیه العسکریه حیث یرى أنه عندما تبقى العملیات العسکریه تکرر نفسها ولمده من الوقت، فهذا یؤدی إلى تخفیف شغف المتابعه والاهتمام من قبل شریحه واسعه من الجمهور المحلی والدولی والاقلیمی.
کما أنه لا یغفل دور ما یسمیه بـ"الهندسه الاستخباراتیه التی تستهدف هندسه العقول وکی الوعی"؛ والتی تشرف علیها جهات مختصه وبارعه فی مجال التأثیر على الرأی العام بل وصناعه الرأی العام الذی تریده؛ للتقلیل من قیمه ما یجری على الأرض.
وأخیرا یرى الخبیر الفلسطینی أن جزءا لا بأس به من الجمهور یتأثر بشکل کبیر بحاله الشحن العاطفی التی تزداد مع ارتفاع وضخامه حجم الجرائم أو أحداث معینه؛ لکنها سرعان ما تتناقص مع ضعف حاله الشحن العاطفی والظروف المساعده لها.
وکانت تقاریر معهد رویترز للصحافه فی السنوات الأخیره، قد تحدثت عما سمته تجنب الأخبار أو إرهاق الأخبار، مشیره إلى تزاید واضح فی نسبه من یقولون إنهم یشعرون بالإنهاک من کمیه الأخبار المتدفقه خصوصا فیما یتعلق بالحروب والکوارث والسیاسه بشکل عام.
وفیما یتعلق بغزه بشکل مباشر، فقد ذکر تقریر عام 2025 أن الصور القاسیه التی تتکرر یومًا بعد یوم تدفع جزءًا من الجمهور إلى الابتعاد، لیس بالضروره بسبب انعدام اهتمامه، وإنما بسبب شعوره بالکآبه أو العجز عن فعل شیء حیال ما یراه.

مراسلا قناه الجزیره فی غزه أنس الشریف ومحمد قریقع استشهدا على ید الاحتلال أثناء قیامهما بواجب العمل (الأناضول ) کلمه "وقف إطلاق النار"
ولکن، ماذا عن تراجع الاهتمام بما یجری فی فلسطین من جانب الإعلام الغربی؟
من المهم أن نشیر فی البدایه إلى دراسه أجراها باحثون فی مؤشّر الانحیاز الإعلامی تؤکد أن تغطیه وسائل الإعلام الغربیه لتطورات حرب الإباده الجماعیه على قطاع غزه ظلت متحیّزه، عبر تعزیز السردیه الإسرائیلیه والتجاهل أو التخفیف من حجم المآسی الإنسانیه فی القطاع الفلسطینی المدمر.
وحلل الباحثون أکثر من 54 ألف مقال نُشرت بین 7 أکتوبر/تشرین الأول 2023 وأغسطس/آب 2025 فی 8 وسائل إعلام غربیه کبرى منها "بی بی سی" البریطانیه، " نیویورک تایمز " الأمیرکیه، "لوموند" الفرنسیه، "دیر شبیغل" الألمانیه، "دیلی تلغراف" البریطانیه، "لا لیبر" البلجیکیه، "ذا غلوب آند میل" الکندیه، "کورییری دیلا سیرا" الإیطالیه.
وأظهرت الدراسه وجود ترکیز هائل على وجهه النظر الإسرائیلیه، فمثلا ذکرت "نیویورک تایمز" إسرائیل 186 مره مقابل کل مره ذکرت فیها فلسطین، واستخدمت کلمه "فلسطین" عشر مرات فقط منذ أکتوبر/تشرین الأول 2023.
ومن بین 91 عنواناً فی "بی بی سی" تحتوی على کلمه فلسطین، تحدث 11 عنواناً فقط عن فلسطین بوصفها بلداً، فیما ذُکرت 80 مره فی سیاق الاحتجاجات أو حرکه "فلسطین أکشن" أو شعارات على الجدران.
کما تجنبت کثیر من وسائل الإعلام الغربیه وصف اعتداءات المستوطنین فی الضفه الغربیه بأنها تمثل انتهاکا للقانون الدولی، وتجنبت کذلک استخدام وصف الاحتلال أو الحدیث عن حق العوده.
وهنا تقارن الدراسه بین موقف الإعلام الغربی الذی یعتبر عوده الأوکرانیین إلى بلادهم واجباً أخلاقیاً، فی حین یعتبر عوده الفلسطینیین، أمرا خطیرا، ومزعزعا للاستقرار، بل وحتى معاد للسامیه، هذا إن لم یکن أکثر من ذلک"
بدورها، لفتت الکاتبه روبین أندرسون، فی مقال رأی نشرته الجزیره فی 2 سبتمبر/أیلول 2025، إلى بعد عملی یتعلق بإقدام سلطات الاحتلال على منع أو تقیید دخول الصحفیین إلى قطاع غزه بشکل مستقل، وإخضاع موادهم للرقابه العسکریه.
من المؤشرات المهمه فی هذا الشأن أیضا، تحلیل أجرته منظمه “فیر” الإعلامیه باستخدام قاعده بیانات “میدیا کلاود” التی ترصد مئات المواقع الإخباریه الأمیرکیه. بین یولیو/تموز وبدایه أکتوبر/تشرین الأول 2025، حیث ظهرت غزه فی نحو 2.3% من المواد المنشوره فی عینه تضم 248 موقعًا إخباریًا أمیرکیًا.
وعند التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار فی أکتوبر قفزت النسبه إلى نحو 4.5%، ثم هبطت خلال الأشهر الثلاثه التالیه إلى 1.5% فقط، وهو أدنى متوسط لثلاثه أشهر منذ اندلاع الحرب فی أکتوبر/تشرین الأول 2023.
تضیف المنظمه أن التراجع نفسه یظهر حتى بشأن موضوعات إنسانیه شدیده الخطوره مثل الجوع، حیث أوضح تحلیل لتغطیه “بی بی سی” و”غاردیان” و”نیویورک تایمز” و”سی إن إن” نشر 81 ماده عن الجوع فی غزه خلال مارس/آذار 2024، قبل أن ینخفض العدد إلى مادتین فقط فی یولیو/تموز من العام نفسه، رغم استمرار انعدام الأمن الغذائی.
المهنیه والنزاهه فی الإعلام الغربی
هذا عن التغطیه وانحیازها من الأساس ضد فلسطین، فماذا عن أسباب تراجعها رغم أنها لم تحقق فی الأساس مستوى کبیرا یلیق بما یدعیه الإعلام الغربی من اهتمام بالمهنیه وحرص على النزاهه؟
تحدثنا فی هذا الشأن إلى علی یوسف ودیت نویر، وهما مسؤولی التحریر فی موقع "نبض النکبه" الدانمارکی، واللذین أقرا فی البدایه بوجود هذا التراجع مقارنه بفترات ذروه الحرب حیث کانت غزه تتصدر تدفق الأخبار بشکل مستمر.
فی البحث عن الأسباب، تحدث الصحفیان للجزیره نت عما وصفاه بحاله من "الإرهاق الإخباری"، فعندما یواجه الأوروبیون نفس المشاهد من الدمار والقتل والمعاناه لفتره طویله، یصبح من الصعب الحفاظ على انتباههم. لا یعنی هذا بالضروره أنهم أصبحوا غیر مبالین، لکن الاهتمام بات بالحد الأدنى.
یرتبط بذلک، وجود الکثیر من الأحداث والأزمات الدولیه التی تنافس على جذب الانتباه خصوصا مع ارتباطها أو تأثیرها على الشؤون الشخصیه والمالیه للمواطن الأوروبی، ولذلک لم تعد فلسطین بالضروره أول ما یصادفه الکثیرون عند فتح موقع إخباری أو وسائل التواصل الاجتماعی.
کما یلفت مسؤولا الموقع الدانمارکی إلى أن "ما یُسمى بوقف إطلاق النار فی أکتوبر 2025 کانه له تأثیر واضح"، فعلى الرغم من أن الهجمات الإسرائیلیه وعملیات القتل لم تتوقف، إلا أن کلمه "وقف إطلاق النار" بحد ذاتها ربما أعطت الکثیر من الناس انطباعاً بأن الوضع لم یعد ملحاً کما کان فی السابق. وفی الوقت نفسه، بدأت غزه تحظى بمساحه أقل فی التغطیه الإخباریه الیومیه لوسائل الإعلام التقلیدیه.
کما أن "هناک تحدیا آخر یتمثل فی التکرار.. فمع مرور الأیام، ظلت الأخبار تتمحور حول مقتل فلسطینیین أو إصابتهم أو تهجیرهم. ورغم فداحه هذا الأمر، یبدو أنه أصبح بالنسبه للعدید من الناس جزءاً من المشهد الإخباری المعتاد. وما یجب أن یکون استثنائیاً، بات یواجه خطر اعتباره أمراً یومیاً اعتیادیاً".

صور الطفله هند رجب حضرت فی کثیر من الاحتجاجات بأوروبا على حرب الإباده التی شنتها إسرائیل على قطاع غزه (الجزیره) مثال هند رجب
وهنا یثور السؤال مجددا حول کیفیه تغطیه الأحداث فی فلسطین، وهو ما رغب علی یوسف ودیت نور فی طرح وجهه نظرهما بشأنه، حیث یعتبران أن جزءا کبیرا من التغطیه اعتمد على الأرقام: عدد القتلى، وعدد الأطفال، وکمیه المبانی المدمره، وکیف تطورت الأرقام منذ أکتوبر 2023.
ویرى الصحفیان أن هذه الأرقام مهمه لأنها توثق حجم المأساه، لکنها لا یمکن أن تقف بمفردها، فهناک فرق بین القول إن أکثر من 20,000 طفل قد قُتلوا، وبین سرد قصه إنسانیه شخصیه لطفل معین له اسم، ووجه، وعائله، وحیاه.
وتُعد هند رجب مثالاً واضحاً على ذلک. فقد کان لقصتها صدى وتأثیر مختلف تماماً عن العدید من الإحصاءات المستمره للأطفال القتلى. لیس لأن حیاتها کانت أغلى من حیاه الأطفال الآخرین، بل لأن الناس وجدوا اسماً، ووجهاً، وقصه ملموسه یمکنهم التفاعل معها.
ولهذا یوصی الصحفیان فی موقع نبض النکبه بضروره أن ترکز التغطیه بشکل أکبر على الفلسطینیین أنفسهم وقصصهم الإنسانیه، وبشکل أقل على الإحصائیات المجرده. فالأرقام تعبر عن الحجم، لکن القصص الشخصیه تخبرنا بما تعنیه هذه الأرقام.
وهذا یعنی بالنسبه لعلی یوسف ودیت نور، أن وسائل الإعلام التی ترغب فی الحفاظ على الاهتمام بفلسطین لا یمکنها الاکتفاء بسرد المزید من القصص ذاتها بنفس الطریقه. بل هناک حاجه للبحث عن قصص تسلط الضوء على الجانب الإنسانی، وتکشف عن جوانب جدیده للتطورات، وتجعل هذه القصص ملموسه للقارئ وأقرب إلى قلبه.
انحیاز الخوارزمیات
هناک زاویه أخرى فی الأمر لا بد من الإشاره إلیها، فحتى فی المحتوى العربی سواء تمثل فی مواقع أو فی منصات ومواقع تواصل، فالأمر یرتبط بالهیمنه الغربیه سواء عبر محرکات البحث وفی مقدمتها غوغل، أو عبر الشرکات المالکه للمنصات وفی مقدمتها میتا المالکه لفیسبوک وإنستغرام وواتساب وغیرهم، أو إکس غروب التی تملک منصه إکس (تویتر سابقا).
مرکز صدى سوشیال المهتم برصد وتوثیق الانتهاکات الرقمیه ضد المحتوى الفلسطینی، یشیر فی تقریر صادر قبل أیام، إلى أکثر من خمسه آلاف انتهاک خلال النصف الأول من العام الجاری، ویقول إن منصات شرکه میتا مسؤوله عن معظمها،
ویقارن المرکز بین وعود میتا وواقع فلسطین مشیرا إلى أن الشرکه تؤکد التزامها بحریه التعبیر وحقوق الإنسان وعدم التمییز، فی حین أن المستخدمین الفلسطینیین یواجهون قرارات تتراوح بین الحذف والتقیید والحظر للمحتوى المرتبط بفلسطین وبشهداء الحرب.
لکن لإکمال الصوره فی هذا المحور، ربما یکون من المهم الإشاره إلى ما ورد فی تقریر وکاله رویترز للأنباء عن عام 2025 من تأکید لاستمرار تراجع إقبال الجمهور على المصادر الإخباریه التقلیدیه مثل التلیفزیون والصحف والمواقع الالکترونیه مقابل تنام ملحوظ للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعی ومنصات الفیدیو وتطبیقات التجمیع الإخباری.
أزمه اهتمام لا أزمه قضیه
فی الختام، یبدو أن هناک أساسًا قویًا للقول إن حصه فلسطین من الانتباه الإعلامی والرقمی تراجعت مقارنه بمراحل الذروه، وخصوصًا مع انتقال الحرب فی غزه إلى مرحله ذات وتیره أهدأ، بالتزامن مع صعود الحرب الإیرانیه إلى قمه جدول الأخبار.
لکن التفسیر الأقرب للبیانات لیس أن الجمهور “اکتفى بفلسطین”، ولا أن غوغل قرر دفن أخبارها، وإنما یمکن القول إن ما یحدث أقرب إلى تفاعل ثلاثه تحولات فی وقت واحد:
دوره الأخبار التی تنحاز للجدید والمفاجئ إنهاک نفسی متزاید لدى الجمهور من الحروب والأخبار السلبیه تحول تقنی یعید توزیع الجمهور من المقال والموقع إلى الفیدیو والمنصه والإجابه المباشره وتبقى المفارقه أن استمرار الأزمه لا یضمن استمرار الاهتمام بها؛ ففی عالم یتدفق فیه الخبر بلا توقف، قد تصبح المأساه الطویله أقل حضورًا إعلامیًا لا لأنها أصبحت أقل خطوره، بل لأنها أصبحت -فی منطق الأخبار القاسی- أقل جِدّه.
وهنا ربما یکون التحدی الحقیقی أمام الصحافه: لیس فی نشر مزید من الأخبار المتشابهه عن فلسطین، وإنما فی إیجاد زوایا جدیده تفسر ما تغیر، وتکشف ما لم یکن معروفًا، وتربط الأحداث بحیاه القارئ ومصالحه، وتمنحه فهمًا أعمق بدل أن تضیف خبرًا آخر إلى سیل ینهال بلا نهایه.
ولعلنا نختم بما نقلناه عن علی یوسف ودیت نور ، من أن وسائل الإعلام التی ترغب فی الحفاظ على الاهتمام بفلسطین لا یمکنها الاکتفاء بسرد المزید من القصص ذاتها بنفس الطریقه. بل یجب البحث عن القصص الإنسانیه التی تجذب القارئ وتمس شغاف قلبه.
المصدر: الجزیره