وکاله آریا للأنباء - آلاف الکتب والمخطوطات والوثائق تنتظر انتقالها من ذاکره محفوظه على الورق إلى بیانات تستطیع الآلات قراءتها وفهرستها وتحلیلها (مولده بالذکاء الاصطناعی/الجزیره)
فی المکتبات والأرشیفات العربیه، تتراکم ذاکره واسعه من الکتب والصحف والمخطوطات والوثائق التی نجت من التلف والضیاع، وبعضها نجا أیضا من العزله داخل الرفوف بعدما جرى تصویره وحفظه رقمیا. لکن الانتقال من الورق إلى الشاشه لا یعنی بالضروره أن هذه الذاکره أصبحت حاضره فی العالم الرقمی.
فالصفحه المصوره تظل، بالنسبه إلى الحاسوب، صوره قبل أن تکون نصا، ولا یستطیع محرک بحث أن یجد کلمه داخلها کما یفعل مع نص رقمی، ولا یستطیع نموذج ذکاء اصطناعی التعامل معها بالطریقه نفسها التی یتعامل بها مع نص قابل للقراءه الآلیه.
قصص مقترحه
list of 2 items هنا تقع الفجوه التی تواجه رقمنه الذاکره العربیه؛ إذ إن کمیه هائله من المعرفه یمکن حفظها رقمیا، لکنها لا تزال بعیده عن أن تصبح بیانات تستطیع الآله قراءتها وفهرستها وتحلیلها.
وتزداد المشکله تعقیدا عندما یتعلق الأمر بمخطوطات قدیمه، أو صحف متضرره، أو وثائق مکتوبه بخطوط عربیه متنوعه، حیث لا یکفی التصویر وحده. فهناک حاجه إلى تقنیات تتعرف على النص، وتُفکک بنیته، وتتعامل مع أخطائه، ثم تربطه بسیاقه وبیاناته الوصفیه.
من هنا تبدأ قصه أخرى للرقمنه؛ لیست قصه تحویل الورق إلى ملفات، بل تحویل الذاکره المحفوظه إلى بیانات قابله للقراءه الآلیه.
من صوره محفوظه إلى بیانات قابله للقراءه
الطریق من صفحه ورقیه إلى ماده یمکن للذکاء الاصطناعی التعامل معها لا یتوقف عند المسح الضوئی. هنا تأتی تقنیات التعرف الضوئی على الحروف "أو سی آر" (OCR)، فی حین تُستخدم تقنیات التعرف على الکتابه الیدویه "إتش تی آر" (HTR) للتعامل مع الوثائق والمخطوطات المکتوبه بخط الید.

من صوره الصفحه إلى نص قابل للقراءه آلیا، تبدأ مرحله جدیده فی رقمنه الوثائق العربیه (مولده بالذکاء الاصطناعی/الجزیره) لکن تدریب هذه الأنظمه یحتاج بدوره إلى کمیات کبیره من البیانات. وتکشف مجموعه "سرد" (SARD)، التی نشرها باحثون من جامعه الأمیر سلطان وأکادیمیه طویق السعودیه فی سبتمبر/أیلول 2026، عن حجم هذا الاحتیاج بأکثر من 2.6 ملیون صوره لصفحات عربیه، تحتوی مجتمعه على نحو 794.6 ملیون کلمه، وصُممت لتدریب واختبار أنظمه التعرف على النصوص العربیه فی صفحات تحاکی تخطیطات الکتب.
واللافت أن "سرد" لا تمثل أرشیف مخطوطات تاریخیه جرى إنقاذها، بل هی مجموعه بیانات اصطناعیه. فقد استخدم الباحثون نصوصا عربیه رقمیه من مکتبه الألوکه، ثم حولوها إلى صور صفحات مع الحفاظ على النص الأصلی بوصفه مرجعا صحیحا لتدریب النماذج وتقییمها.
وتوفر هذه الطریقه حجما کبیرا من البیانات مع نصوص مرجعیه معروفه، لکنها تترک سؤالا آخر یتعلق بالانتقال من البیئه المنظمه إلى الوثائق الموجوده فعلیا فی المکتبات والأرشیفات.
لماذا تحتاج الآله إلى کل هذه البیانات؟
یوضح ودیع بوعلیله، مدیر مختبر الروبوتات وإنترنت الأشیاء (RIOTU Lab) فی جامعه الأمیر سلطان فی الریاض وأحد الباحثین فی بناء "سرد" أن الدافع الأساسی وراء المجموعه کان سدّ فجوه فی البیانات اللازمه لتطویر تقنیات قراءه الوثائق العربیه. فالمجموعات السابقه قدمت إسهامات مهمه، لکن کثیرا منها رکز على الحروف أو الکلمات أو الأسطر المنفرده، أو کان محدودا من حیث الحجم والتنوع الطباعی وتمثیل الصفحه الکامله.
ویوضح -فی حدیثه للجزیره نت- أن الهدف کان توفیر بیانات تساعد النماذج على قراءه صفحات کامله تشبه الکتب المطبوعه، مع اختلاف الخطوط وکثافه النصوص. وأتاح التولید الاصطناعی إنتاج هذا الحجم من البیانات مع إقران الصور بالنصوص المرجعیه المستخدمه فی إنشائها، وهو ما یقلل تکلفه التفریغ الیدوی ویوفر أساسا لتطویر أنظمه التعرف الضوئی على الحروف والنماذج التی تجمع بین الرؤیه واللغه.

بوعلیله یقول إن النجاح فی قراءه النص المطبوع لا یعنی تلقائیا النجاح فی قراءه المخطوطات (منصات التواصل) لکن بوعلیله یشدد -فی حدیثه للجزیره نت- على أن "سرد" لا تمثل الأرشیف العربی الحقیقی بکل تعقیداته. فهی تحاکی صفحات الکتب ضمن تنسیقات مضبوطه، ولا تغطی جمیع التخطیطات المعقده أو عیوب الوثائق القدیمه.
ولهذا یتطلب الانتقال إلى التطبیقات الواقعیه استکمال التدریب والتقییم ببیانات مأخوذه من الوثائق الفعلیه. ویشیر بوعلیله إلى أهمیه التعاون مع المکتبات ومراکز الأرشیف لجمع عینات متنوعه، وإعداد نصوصها المرجعیه بمراجعه متخصصین، ثم تکییف النماذج معها.
ویمکن دعم التدریب أیضا بمحاکاه عیوب التصویر والطباعه، لکن اختبار النماذج، بحسبه، یجب أن یشمل وثائق حقیقیه لم تدخل فی التدریب، ویفضل أن تأتی من مصادر مختلفه، للتأکد من قدرتها على التعامل مع مواد جدیده.
ویرى بوعلیله أن التحدی لا یتعلق بقراءه الحروف فقط، بل بفهم بنیه الصفحه، بما یشمل ترتیب الأعمده وتمییز العناوین والحواشی وربطها بالمتن. أما المخطوطات فتحتاج إلى بیانات وخبرات متخصصه فی الکتابه الیدویه والخطوط التاریخیه، ویقول "النجاح فی قراءه النص المطبوع لا یعنی تلقائیا النجاح فی قراءه المخطوطات".
ومن منظور فریقه فی مختبر الروبوتات وإنترنت الأشیاء، یتطلب هذا المسار الجمع بین الذکاء الاصطناعی وخبره المختصین باللغه والتراث، مع مراجعه بشریه للمقاطع غیر المؤکده وربط النص المستخرج بصورته الأصلیه.
فالهدف، کما یقول، لیس مجرد استخراج نص من ملایین الصفحات، وإنما إتاحه التراث العربی للبحث والمعرفه مع الحفاظ على أمانه نقله وتفاصیله التاریخیه.
عندما تواجه الآله الوثیقه القدیمه
لکن الانتقال إلى الوثائق الحقیقیه یفتح طبقه أخرى من التحدیات. فبحسب المهندس الرئیسی فی معهد قطر لبحوث الحوسبه، حمدی مبارک، لا تتعلق قراءه الوثائق العربیه القدیمه بالتعرف على الحروف وحدها، وإنما باستعاده وثیقه کامله فقدت أجزاء من بنیتها الأصلیه أثناء الرقمنه.
ویوضح حمدی -فی حدیثه للجزیره نت- أن الصعوبات تبدأ من حاله الوثیقه نفسها، فضعف جوده المسح الضوئی، واصفرار الورق أو تلفه، وبقع الحبر، وعدم انتظام الصفحات، وتشابک الحروف العربیه، وغیاب التشکیل، واختلاف أشکال الخطوط والطباعه القدیمه، کلها عوامل تؤثر فی قدره النظام على قراءه النص.

حمدی مبارک: إن قراءه الوثائق العربیه القدیمه لا تتعلق بالتعرف على الحروف وحدها، بل باستعاده وثیقه فقدت أجزاء من بنیتها الأصلیه أثناء الرقمنه (منصات التواصل) وفی الصحف، تضاف مشکلات أخرى بسبب تعدد الأعمده والعناوین والإعلانات والحواشی وتداخل النصوص والصور، مما یجعل التعرف على الکلمات وحدها غیر کاف لاستعاده الصفحه کما کانت فی أصلها.
ویوضح کیف تحمل الأخطاء فی العربیه حساسیه إضافیه، إذ یمکن لخطأ صغیر فی حرف واحد أن یحول الکلمه إلى کلمه عربیه أخرى صحیحه لغویا، لکنها مختلفه تماما فی المعنى. کما قد تستخدم النصوص القدیمه تهجئات وأسالیب کتابه تختلف عن الاستخدام الحدیث، فینجح النظام فی قراءه الکلمات بصریا، لکنه یخطئ فی فهمها أو التعامل معها وفق سیاقها التاریخی.
النص المستخرج یحتاج إلى تدقیق
ولا تنتهی العملیه بمجرد الحصول على ملف نصی قابل للبحث. إذ یؤکد مبارک فی هذا السیاق أن استخراج النص یمثل بدایه العمل، إذ یحتاج المحتوى قبل استخدامه فی التدریب أو أنظمه استرجاع المعلومات إلى ضبط الجوده والتنظیف والتوصیف.
ویرى أنه من المهم الاحتفاظ بالرابط بین النص والصفحه الأصلیه، ومعالجه ترتیب القراءه، خصوصا فی الصحف متعدده الأعمده، وفصل الحواشی والعناوین والتعلیقات عن النص الأساسی. کما ینبغی الاحتفاظ بمعلومات المصدر، مثل اسم الکتاب أو الصحیفه، والمؤلف، والتاریخ، والطبعه ورقم الصفحه.

تعدد الأعمده والعناوین والإعلانات والحواشی فی الصحف یجعل التعرف على الکلمات وحدها غیر کاف لاستعاده الصفحه (مولده بالذکاء الاصطناعی/الجزیره) ویحذر مبارک من التعامل مع مخرجات التعرف الضوئی على الحروف (أو سی آر) باعتبارها "حقیقه" لمجرد أنها أصبحت نصا قابلا للبحث. ویرى أن من الضروری وجود مستوى من الثقه أو الجوده لکل صفحه أو مقطع، مع مراجعه العینات منخفضه الجوده بشریا، خصوصا عندما تُستخدم الماده فی بناء مجموعات بیانات تدریبیه.
عندما تنتقل الأخطاء إلى الذکاء الاصطناعی
تکمن أهمیه هذه المراجعه فی أن أخطاء "أو سی آر" یمکن أن تتجاوز الوثیقه التی نشأت فیها. فقد یتحول اسم شخص أو مکان إلى کلمه أخرى، أو تتغیر الأرقام والتواریخ، أو تختلط أعمده الصفحه، أو تفقد جمله بسبب مشکله فی التخطیط.
ویقول مبارک إنه مع تکرار هذه الأخطاء عبر ملایین الصفحات، یمکن أن تصبح جزءا من البیانات التی تتعلم منها النماذج. وفی أنظمه استرجاع المعلومات، قد یؤدی خطأ فی اسم شخص أو مکان أو مصطلح إلى عدم العثور على الوثیقه عند البحث عنها. أما فی النماذج التولیدیه، فقد یتعلم النموذج النص المشوه باعتباره صیغه صحیحه.

أخطاء "أو سی آر" قد تنتقل إلى الذکاء الاصطناعی، فتتحول مع تکرارها إلى جزء من البیانات التی تتعلم منها النماذج (مولده بالذکاء الاصطناعی/الجزیره) لهذا یرى مبارک أن رقمنه الذاکره العربیه لا ینبغی أن تقاس فقط بعدد الصفحات التی تحولت إلى نصوص، وإنما بمدى أمانه النص المستخرج للمصدر الأصلی، واحتفاظه ببنیه الوثیقه وسیاقها ومصدرها، ومعرفه مستوى الثقه فی عملیه استخراجه.
وفی المقابل، یشیر إلى أنه یمکن استخدام الذکاء الاصطناعی نفسه فی مرحله التحقق، من خلال اکتشاف أخطاء "أو سی آر"، ومقارنه النص المستخرج بصوره الصفحه، والتحقق من اتساقه مع النص والسیاق. ولکن ذلک یتطلب الاحتفاظ بصوره الوثیقه الأصلیه إلى جانب النص، بحیث تظل النتائج قابله للمراجعه والتحقق.
عندما تصبح الذاکره قابله للقراءه الآلیه
تکشف رحله رقمنه الذاکره العربیه أن تحویل الصفحه إلى ملف رقمی لیس سوى الطبقه الأولى من العملیه. فالبیانات التی تتعلم منها الآلات تحتاج إلى أن تکون قابله للقراءه، لکنها تحتاج أیضا إلى أن تبقى مرتبطه بالوثیقه التی جاءت منها والسیاق الذی یمنحها معناها.
وتکشف "سرد" حجم البیانات المطلوبه لتعلیم الآله قراءه الصفحات العربیه، بینما تبین الوثائق الحقیقیه أن التحدی لا ینتهی عند استخراج النص، بل یمتد إلى التحقق من دقته والحفاظ على بنیه الصفحه ومصدرها.
وفی النهایه، لا تکمن قیمه رقمنه الذاکره العربیه فی عدد الصفحات التی تحولت إلى نصوص فحسب، بل فی قدره هذه النصوص على البقاء أمینه للوثائق التی حفظت تلک الذاکره، وقابله للبحث والاستخدام دون أن تنقطع صلتها بأصولها.
المصدر: الجزیره + وکالات