وکاله آریا للأنباء - جرى فی 29 یولیو 1899 اعتماد اتفاقیات لاهای فی ختام مؤتمر لاهای الأول للسلام. شکّل هذا الحدث علامه فارقه فی تطور القانون الدولی الحدیث.
مساهمه هذا الحدث فی تطور القانون الدولی تمثلت فی تأسیس أول آلیه تحکیم دولیه ملزمه عالمیا لتسویه المنازعات، ووضع أولى القیود المکتوبه على وسائل الحرب، مثل حظر استخدام الرصاص المتفجر. کما مثّل بدایهً لمحاوله المجتمع الدولی تنظیم سیر الحرب من خلال المعاهدات متعدده الأطراف، ما أسهم فی وضع الأساس القانونی لظهور عصبه الأمم والأمم المتحده فی وقت لاحق.
اتفاقیه لاهای لعام 1899 لیست وثیقه واحده، بل هی عباره عن ثلاث اتفاقیات وثلاثه إعلانات. شکّلت العدید من الأفکار الوارده فی هذه الوثائق أساس اتفاقیات جنیف وغیرها من المعاییر الحدیثه.
من أهم الأحکام فی اتفاقیات لاهای لعام 1899، اتفاقیه التسویه السلمیه للمنازعات الدولیه، التی نصّت على إنشاء محکمه التحکیم الدائمه، وهی أول آلیه عالمیه للتسویه السلمیه للمنازعات بین الدول، وقد تطورت مؤسسات أخرى لاحقًا على هذا الأساس، بما فی ذلک محکمه العدل الدولیه.
منها أیضا اتفاقیه احترام قوانین وأعراف الحرب البریه، التی حدّدت بالتفصیل قواعد سیر الحرب، وشملت أحکامها الهامه ما یلی: التمییز بین المقاتلین، أی الأشخاص المؤهلین للمشارکه فی الأعمال العدائیه، وغیر المقاتلین، وهم المدنیون والجرحى والمرضى وأسرى الحرب، ولوائح معامله أسرى الحرب، وحظر استخدام الأسلحه والمواد المسببه للمعاناه غیر الضروریه مثل الغازات الخانقه، وحظر تدمیر ممتلکات العدو والاستیلاء علیها من دون ضروره عسکریه، وحظر قتل الأعداء الذین استسلموا، وحظر نهب المدن، وحظر قصف المناطق السکنیه غیر المحصنه، وحظر نهب ومصادره الممتلکات الخاصه.

من الوثائق أیضا، اتفاقیه تطبیق اتفاقیه جنیف لعام 1864 على الحرب البحریه، التی ارتبطت بحمایه سفن المستشفیات الممیزه بعلامات خاصه، وذلک لأن هذه السفن یفترض أن تقدم المساعده للبحاره الجرحى والمنکوبین من جمیع الأطراف المتحاربه.
أُضیفت کذلک فی هذا الحدث الدولی ثلاثه إعلانات إلى الاتفاقیات، وهی: إعلان بشأن حظر إطلاق المقذوفات والمتفجرات من البالونات لمده خمس سنوات، وآخر بشأن الامتناع عن استخدام المقذوفات التی یقتصر غرضها على نشر الغازات الخانقه أو الضاره، وثالث بشأن الامتناع عن استخدام الرصاص الذی یتمدد أو ینضغط بسهوله داخل جسم الإنسان.
ترجع أهمیه اتفاقیات لاهای لعام 1899 إلى أن العدید من الأفکار والآلیات تمکنت من الصمود وتطورت فی القانون الدولی الحدیث، إذ لا یزال مبدأ التسویه السلمیه للنزاعات أساسیاً، وهو منصوص علیه فی میثاق الأمم المتحده کأحد الأهداف الرئیسه للمنظمه.
من ذلک أیضا أن القواعد التی تحکم قوانین وأعراف الحرب أصبحت جزءا من القانون الدولی العرفی، فحتى لو لم تصادق دوله ما على اتفاقیه محدده، تُطبق المبادئ العامه، مثل حظر المعاناه غیر الضروریه، فی الخطاب القضائی والسیاسی.
أصبحت الآلیات التی أُنشئت فی لاهای نموذجا أولیا للمحاکم الدولیه الحدیثه، ولا تزال محکمه التحکیم الدائمه، ومحکمه العدل الدولیه التی أُنشئت فی وقت لاحق، تعملان حتى الیوم.
علاوه على کل ذلک، شکّل "بند مارتنز" إضافه مهمه، فقد نصّ صراحه على أنه فی حالات الحرب، یجب منح الحقوق والحمایه "للأفراد ضد عادات الحرب". أُدرجت هذه الفکره لاحقا فی اتفاقیات جنیف لعام 1949.

یُشار إلى أن المحامی والدبلوماسی والباحث القانونی الروسی فیودور مارتنز قد شارک بنشاط فی مؤتمر لاهای الأول للسلام، وأرسى مبدأ "شرط مارتنز" الحاسم، الذی ینص على أن المدنیین والمقاتلین یتمتعون بحمایه مبادئ القانون الدولی حتى فی الحالات التی لا تغطیها المعاهده. هذا الشرط یبقى بمثابه "صمام أمان" للتعامل مع الأسلحه الجدیده وأشکال الحرب، ما یضمن عدم تجاوز الحدود الإنسانیه.
یُعد "بند مارتنز" أحد أبرز إنجازات فیودور مارتنز، وقد أُدرج فی دیباجه اتفاقیتی لاهای بشأن قوانین وأعراف الحرب البریه لعامی 1899 و1907.
بطبیعه الحال، یُظهر واقع العلاقات الدولیه أن الکثیر من الأحکام لا تُطبق عملیا، إلا أن ذلک لا یقلل من الأهمیه التاریخیه لاتفاقیات لاهای لعام 1899، لأنها رسّخت فعلا العدید من المناهج لتنظیم الحروب وإیجاد حلول سلمیه للنزاعات، وظلت مرجعا أساسیا فی صیاغه القوانین الدولیه الإنسانیه، وأثرت فی إنشاء المحاکم الجنائیه الدولیه، وساهمت فی بلوره مفهوم المسؤولیه الجماعیه للدول عن انتهاکات قواعد الحرب، کما أن إرثها ما زال حاضرا فی النقاشات المعاصره حول تحدیات النزاعات المسلحه والتطور التکنولوجی للأسلحه، ما یجعل دراستها وفهمها ضروریا لکل مهتم بالشؤون القانونیه والدولیه.
المصدر: RT