
وکاله آریا للأنباء -
قبل أیام قلیله، کانت آلاف العائلات تتوافد إلى شواطئ غار الملح بولایه بنزرت التونسیه، للاستمتاع بمشهد فرید؛ حیث تلتقی زرقه البحر بخضره جبل الناظور الذی یحتضن شواطئ النجیله وسیدی علی المکی والبونته.
لکنّ الحریق الذی اندلع فی 22 یولیو/تموز الماضی، وامتد من منطقه رفراف المجاوره إلى سفوح جبل الناظور لمسافه نحو 3.5 کیلومترات، غیّر ملامح المکان بعد أن التهم عشرات الهکتارات من الغطاء الغابی، مخلفا مساحات واسعه من الأشجار المتفحمه.
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 تجریف التاریخ لصالح العقارات.. تحقیق یکشف کوالیس “التنقیب الاستثماری” فی آثار العراق list 2 of 2 عوده الحفریات إلى لبده الکبرى تکشف أسرار مدینه رومانیه مدفونه تحت رمال لیبیا end of list السکان یصفون المشهد بأنه من أصعب ما عاشته المنطقه منذ سنوات، ویقولون إن المنطقه تحولت من لوحه طبیعیه تمتزج فیها خضره الجبل بزرقه البحر إلى سواد ورماد.
ورغم غیاب الخسائر البشریه، فإن الأهالی یؤکدون أن إعاده الجبل إلى سابق عهده ستکون مهمه طویله تتطلب تضافر جهود السلطات والمجتمع المدنی.
خساره کبیره
وقال حسام الإمام عضو الاتحاد المحلی للفلاحه والصید البحری بغار الملح، إن أسباب اندلاع الحریق لا تزال غیر معروفه، مرجحا أن یکون ناجما عن سلوک بشری غیر مقصود.
وأضاف فی حدیثه للأناضول أمام سفح جبل الناظور أن عدم وقوع ضحایا بشریه یبقى الجانب الإیجابی الوحید، رغم اقتراب النیران من المساکن.
وتابع "لکن عندما نرى الأضرار الطبیعیه التی لحقت بعشرات الهکتارات نشعر بألم کبیر، فهذه خساره لتونس کلها".
وأوضح أن "شاطئ البونته یستمد جماله من التقاء خضره الغابه بالبحر، معتبرا أن فقدان الغطاء النباتی سیؤثر على القیمه البیئیه والسیاحیه للمنطقه وسیفقدها جاذبیتها".
وأشار الإمام إلى أن "إعاده تشجیر الجبل لن تکون مهمه سهله، إذ تتطلب -بحسب الدراسات- الانتظار نحو عامین قبل البدء فی إعاده التشجیر، إلى جانب إزاله الأشجار المحترقه التی لا تزال قائمه".
وشدد على ضروره تنسیق الجهود بین الإداره العامه للغابات ووزاره الفلاحه والمجتمع المدنی لإنجاز حمله واسعه لإعاده التشجیر.
کما لفت إلى أن الغابه لا تضم أشجار صنوبر وبندق فقط، وإنما أیضا نباتات بریه مثل إکلیل الجبل والزعتر وأنواعا غابیه نادره کانت تمثل بیئه طبیعیه للنحل وإنتاج العسل.
الریاح سرعت انتشار النیران
وعن أسباب اتساع رقعه الحریق، أوضح الإمام أن الریاح والطقس المتقلب یوم اندلاع الحریق أسهما فی امتداد النیران لمسافه تقارب 3 کیلومترات بمحاذاه مدینه غار الملح وصولا إلى ضواحیها الساحلیه.
وأکد أن مختلف الأجهزه الرسمیه، من الحمایه المدنیه والحرس الوطنی والجیش والسلطات الجهویه والبلدیه، شارکت فی عملیات الإطفاء رغم صعوبه تضاریس المنطقه.
وذکر الإمام أن فرق الإطفاء تمکنت من السیطره على النیران أکثر من مره، لکنها کانت تشتعل مجددا بفعل الریاح، فیما حالت الطبیعه الوعره، خاصه بمنطقه البونته التی ینتهی فیها الجبل مباشره إلى البحر، دون وصول الفرق إلى بعض البؤر المشتعله.
وأضاف "ممرات قطع الحریق (حواجز النیران) الموجوده داخل الغابه، والبالغ عرضها نحو 30 مترا، لم تمنع امتداد الحریق، إذ تجاوزها الشرار بفعل الریاح".
ولفت المسؤول المحلی إلى أن ألسنه اللهب بلغ ارتفاعها لیلا نحو 7 أمتار، ما جعل عملیات الإخماد أکثر تعقیدا.
ذکریات تحولت إلى رماد
ویتحدث الإمام بحسره عن صوره الجبل الحالیه، قائلا إنه یجد صعوبه حتى فی النظر إلیه بعدما تحول من منظر طبیعی جمیل إلى سواد ورماد.
ویستعید ذکریاته عندما کان طفلا یشارک فی حملات تشجیر الجبل التی کانت تنظمها المدارس، معربا عن أمله فی تنظیم حملات مماثله لإعاده الحیاه إلى المنطقه.
ویضیف أن الاتحاد المحلی للفلاحه یعتزم بعد انتهاء تقییم الأضرار من قبل إداره الغابات، المشارکه مع السلطات والمجتمع المدنی فی برامج إعاده التشجیر.
وعلى الشریط الساحلی الضیق بین البحر والجبل، لا یزال سکان حی النجیله یتذکرون الساعات التی اقتربت فیها النیران من منازلهم.
أسامه بکوش -أحد سکان الحی- قال إن "الحریق وصل المنطقه بعد ظهر یوم اندلاعه، إثر مساعده الریاح فی توسعه".
وأضاف "السکان طلبوا النجده من السلطات مع اقتراب ألسنه اللهب من المنازل"، مشیرا إلى أن الحرس الوطنی والحمایه المدنیه واصلا التمرکز فی المنطقه عده أیام حتى تمت السیطره على الحریق.
وأکد بکوش "أهمیه إشراک السکان فی خطط الوقایه مستقبلا، لکونهم الأدرى بطبیعه الجبل ومسالکه، إلى جانب إعاده تنظیم وإصلاح ممرات حواجز النار داخل الغابه للحد من انتشار الحرائق".
وفی هذا الصدد، أشار إلى أن "جمعیات محلیه ومتطوعین من مختلف أنحاء تونس أبدوا استعدادهم للمشارکه فی حملات إعاده التشجیر".
مخاوف من الشتاء
بدورها، قالت فتحیه عطاوی من سکان حی النجیله، إن الأهالی تابعوا تقدم النیران من رفراف نحو غار الملح، قبل أن تقترب لیلا من المنازل.
ورأت أن "جمال غار الملح کان قائما على امتزاج خضره الجبل بزرقه البحر، لکنّ الحریق غیّر المشهد"، مؤکده أن إعاده الغطاء النباتی ستستغرق وقتا طویلا.
وأعربت فتحیه عن مخاوفها من "تعرض التربه الرملیه لانزلاقات خلال فصل الشتاء بعد فقدان الغطاء النباتی"، داعیه السلطات إلى اتخاذ إجراءات وقائیه تحول دون تهدید المساکن القریبه.
وبحسب المدیر العام للغابات بوزاره الفلاحه والموارد المائیه والصید البحری، محمد نوفل بن حاحا، فإن الحرائق التی اندلعت فی تونس بین الأول من مایو/أیار و23 یولیو/تموز الماضیین أتت على نحو 4400 هکتار من المساحات الغابیه.
المصدر: الجزیره + الأناضول