
وکاله آریا للأنباء - مشهد من وسط طهران وفی الخلفیه لوحه إعلانیه مناهضه لترمب فی وقت یشتد فیه الصراع بین البلدین (الأوروبیه)
بعد أشهر من الحرب والضغوط العسکریه، تنقل إداره الرئیس الأمریکی دونالد ترمب المواجهه مع إیران إلى ساحه الاقتصاد، فی محاوله لخنق شرایینها التجاریه والمالیه ودفع قیادتها إلى تقدیم تنازلات.
لکنّ "یوم الإنزال الاقتصادی" الذی تم الإعلان عنه أول أمس الاثنین وتصفه واشنطن بأنه أکبر هجوم مالی على خصم قد یتحول إلى اختبار مزدوج: هل تستطیع أمریکا عزل إیران فعلا، أم أن العقوبات ستعید إنتاج تجربه "الضغط الأقصى" السابقه وتدفع طهران إلى مزید من التشدد والتصعید؟
اقرأ أیضا
list of 2 items list 1 of 2 نذر حرب بالیمن والبحر الأحمر.. ماذا یستفید الحوثیون؟ list 2 of 2 ثانی أکبر منتج للنفط یستورد البنزین.. ماذا یحدث فی روسیا؟ end of list ویرى تقریر لصحیفه فایننشال تایمز أن حمله ترمب الجدیده تستعید إلى حد کبیر وصفه عام 2018، عندما انسحب من الاتفاق النووی وفرض مئات العقوبات القاسیه على إیران، أملا فی إجبارها على التفاوض من موقع ضعف. لکنّ تلک الحمله لم تنتزع تنازلات من طهران، بل دفعتها إلى زیاده نشاطها النووی وتشدید موقفها تجاه الغرب.
ویقول المحلل الإیرانی سعید لیلاز إن إیران "لم تنهر" تحت سیاسه الضغط الأقصى السابقه، ولن تنهار هذه المره، لأنها أصبحت أکثر خبره فی الالتفاف على العقوبات، فی حین بات العالم أکثر استقطابا وتوجد اقتصادات إقلیمیه تعتمد على استمرار تجارتها معها.
وتکمن إحدى نقاط الضعف الرئیسیه فی الحمله الجدیده فی أن نجاحها یتوقف على تعاون دول لا تبدو مستعده بالضروره للانصیاع الکامل لواشنطن، وفی مقدمتها الصین وترکیا والعراق وروسیا .
الصین مفتاح الحصار
بحسب فایننشال تایمز، تمثل الصین الاختبار الأکبر لـ"یوم الإنزال الاقتصادی"، فهی أکبر شریک تجاری لإیران والمشتری الرئیسی لنفطها.
أما موقع أکسیوس الأمریکی، فیرى أن العملیه التی أطلقتها إداره ترمب تبدو حتى الآن أقرب إلى حمله عقوبات تدریجیه منها إلى "إنزال اقتصادی" حاسم، بعدما استهدفت الخزانه الأمریکیه أکثر من 60 جهه مرتبطه بإیران ووسعت نطاق العقوبات الثانویه، من دون تحدید موعد نهائی واضح للدول والشرکات المعنیه.
ویقول التقریر إن السؤال الحقیقی هو ما إذا کان ترمب مستعدا فعلا لمعاقبه البنوک والمصافی وشرکات الشحن الصینیه إذا رفضت بکین الانضمام إلى الحصار، خصوصا أن الرئیس الصینی شی جین بینغ یستعد لزیاره واشنطن فی سبتمبر/أیلول المقبل.
أما الخبیر السابق فی الاستخبارات العسکریه الإسرائیلیه دانی سیتریونوفیتش، فیحذر من أن العقوبات الثانویه یصعب تطبیقها، لأن إیران طورت منذ سنوات شبکات من الشرکات الوهمیه والوسطاء للالتفاف علیها.
اقتصاد على حافه الانهیار
لا یعنی ذلک أن العقوبات بلا أثر؛ فقد تسببت سیاسه الضغط الأقصى السابقه فی انکماش الاقتصاد الإیرانی، وانهیار قیمه الریال وارتفاع التضخم وتراجع صادرات النفط، کما قطعت البلاد عن أجزاء واسعه من النظام المالی العالمی.
لکنّ طهران طورت فی المقابل اقتصادا موازیا یعتمد على شرکات واجهه ومسارات تجاریه عبر ترکیا وعُمان والإمارات، کما وسعت صادراتها غیر النفطیه من الصلب والبتروکیمیائیات.
والآن تبدو الأزمه أشد بکثیر. فالریال یسجل مستویات قیاسیه من التراجع، والتضخم یقترب من مستویات هائله، فیما تضررت منشآت صناعیه وطاقه بسبب الحرب، وتقول السلطات إن صادرات النفط اقتربت من الصفر.
ومع ذلک، یؤکد محافظ البنک المرکزی الإیرانی عبد الناصر همتی أن الوضع "صعب للغایه"، لکنه لا یعنی انهیار البلاد، مشیرا إلى أن طهران اتخذت إجراءات احتیاطیه، بینها توزیع احتیاطیات العمله الأجنبیه فی أماکن مختلفه لضمان شراء الغذاء والدواء.
یؤکد محافظ البنک المرکزی الإیرانی عبد الناصر همتی أن الوضع "صعب للغایه"، لکنه لا یعنی انهیار البلاد لأن طهران اتخذت إجراءات احتیاطیه، بینها توزیع احتیاطیات العمله الأجنبیه فی أماکن مختلفه لضمان شراء الغذاء والدواء.
تصعید محتمل
وفی مسار آخر، تتوقع نیویورک تایمز أن الأزمه الاقتصادیه العمیقه قد تجعل إیران أقل استعدادا للاستسلام لأن قیاده البلاد قد تعتبر أن التصعید أصبح أقل کلفه من القبول بشروط واشنطن.
ویحذر خبراء نقلت عنهم الصحیفه من أن دفع الدول الأخرى إلى قطع ما تبقى من شرایین إیران الاقتصادیه قد یمنح طهران حافزا أکبر لإثبات أن المشارکه فی عزلها ستکون مکلفه أیضا.
ویقول الخبیر الإیرانی سینا توسی إنه کلما زاد الضغط الأمریکی على الدول التی ما زالت تتعامل مع إیران، زادت دوافع طهران لإظهار أن عزلها ستکون له کلفه إقلیمیه.
وتترافق هذه المخاوف مع تهدیدات إیرانیه بإغلاق صادرات النفط فی الخلیج إذا شارکت دول المنطقه فی الحمله الأمریکیه، وهو ما قد یشعل المواجهه مجددا ویرفع أسعار النفط والغاز والوقود عالمیا.
وبنبره أکثر وثوقیه، یعتبر الکاتب فی تلغراف أمبروز إیفانز بریتشارد أن "یوم الإنزال الاقتصادی" محکوم بالفشل، لأن أمریکا لم تعد تمتلک النفوذ الذی کانت تتمتع به قبل عقد أو عقدین لفرض حصار مالی عالمی على خصومها.
اختبار لواشنطن وطهران
ویشیر إلى أن واشنطن تحتاج فی هذه المواجهه إلى تعاون الصین وروسیا والهند وترکیا وأوروبا والمراکز المالیه الکبرى، بینما باتت الصین أکثر قدره على مقاومه الضغوط الأمریکیه، وقد ترد على العقوبات الثانویه بإجراءات تستهدف المعادن الحیویه أو الأصول المالیه الأمریکیه.
ویحذر الکاتب من أن استمرار المواجهه قد یفاقم أزمه الطاقه العالمیه، فی ظل ارتفاع أسعار الوقود والغاز وانخفاض مخزونات أوروبا، بما ینعکس على التضخم وتکالیف المعیشه.
وهکذا یجد ترمب نفسه أمام معادله شدیده التعقید: إذا نجحت العقوبات فی خنق إیران دون إجبارها على الاستسلام، فقد تدفعها إلى تصعید عسکری یهدد أسواق الطاقه؛ وإذا تراجع عنها، فقد تبدو سیاسه "الضغط الأقصى" عاجزه عن تحقیق أهدافها.
لذلک لا یبدو "یوم الإنزال الاقتصادی" معرکه محسومه سلفا، بل اختبارا لقدره واشنطن على استخدام سلاح العقوبات فی عالم أکثر تعددیه، ولقدره إیران على تحمل الألم دون الانهیار.
المصدر: الصحافه الأمیرکیه + الصحافه البریطانیه