
وکاله آریا للأنباء -
تطرح الخطوه التی اتخذتها الرئاسه التونسیه بتنقیح الفصل 24 من المرسوم 54 المتعلق بمکافحه الجرائم المتصله بأنظمه المعلومات والاتصال تساؤلات عمیقه حول حدود الاستجابه السیاسیه وسقف الحریات العامه.
فبعد 4 أعوام من الجدل والتطبیق الذی طال أکثر من 80 موقوفا من سیاسیین وصحفیین ومحامین وناشطین، جاء التعدیل الرئاسی لیلغی عقوبه السجن فی المخالفه الأولى ویستبدل بها غرامه مالیه تتراوح بین 10 و20 ألف دینار تونسی (1 دولار یعادل 3.1 دنانیر تونسیه)، مع الإبقاء على عقوبه السجن 6 أشهر والغرامه المالیه المغلظه فی حال التکرار، ومضاعفتها إذا کان المستهدف موظفا عمومیا.
قصص مقترحه
list of 2 items list 1 of 2 محکمه تونسیه ترفض الإفراج عن 3 من موقوفی مسیره أسطول الصمود list 2 of 2 تعدیل "المرسوم 54".. تنقیح القوانین ورهانات الحریات فی تونس end of list شبهه "التعدیل التکتیکی"
وتثبت القراءه القانونیه والسیاسیه لهذه الخطوه أنها تعدیل جزئی لا ینهی جوهر الأزمه، إذ یرى المحامی والباحث القانونی کریم المرزوقی أن التنقیح جاء کـ"تصحیح لخطیئه" ارتکبتها السلطه قبل 4 أعوام، لکنه یظل غیر کافٍ.
فالبُعد الزجری لم یُلغَ بالکامل، کما أن السلطه تواصل الارتکاز على نصوص جزائیه أخرى لاستهداف حریه التعبیر والنشر، مثل الفصل 86 من مجله الاتصالات المتعلق بـ"الإساءه للغیر عبر شبکات الاتصال"، کما یقول المرزوقی لبرنامج "ما وراء الخبر".
یضاف إلى ذلک تهمیش الدور البرلمانی بإقرار التعدیل عبر مرسوم رئاسی بدلا من فتح نقاش عمومی، فی ظل بیئه قضائیه تفتقر لمجلس أعلى للقضاء منذ نحو 3 سنوات.
وفی السیاق ذاته، یؤکد مدیر مکتب الجزیره فی تونس لطفی حجی أن المطالب الأساسیه للمجتمع المدنی ونقابه الصحفیین کانت وما زالت تتلخص فی إلغاء المرسوم 54 برمته، باعتباره نصا زجریا یُحاسَب به الفاعلون فی الفضاء العام بدلا من الاحتکام إلى المرسوم 115 الخاص بحریه الصحافه والطباعه والنشر.
ویشیر حجی إلى أن هذا المرسوم هو المرجع الحقوقی والمکسب الرئیسی ل ثوره 2011 الذی نظم العلاقه بین الحریه والمسؤولیه، لافتا إلى أن السلطه همّشت المبادرات التشریعیه البرلمانیه المودعه منذ 2024 التی کانت تطالب بمراجعه أوسع للمرسوم.
سردیه "حمایه الدوله"
فی المقابل، یبرز الموقف المدافع عن التوجه الرسمی، حیث ینفی المحامی والباحث القانونی قیصر الصیاح وجود تعارض بین المرسوم 54 والمعاییر الدولیه أو "اتفاقیه بودابست" (اتفاقیه دولیه متعدده الأطراف تهدف إلى معالجه الجرائم الإلکترونیه وجرائم المعلوماتیه)، مشددا على أن النص جاء تلبیه لمطالب شعبیه بإنهاء الفوضى واللغو والاعتداءات التی شهدتها البلاد فی مرحله ما بعد الثوره.
وأوضح الصیاح أن هذا التشریع استهدف التصدی للجرائم السیبرانیه العابره للحدود، واختراق البرمجیات، والحملات الموجهه لضرب مؤسسات الدوله والإساءه لرموزها ورؤسائها، مذکّرا بأن هذه الفصول والقوانین الجزائیه -کالفصل 86 من مجله الاتصالات والفصول 245 و246 و247 من المجله الجزائیه- کانت موجوده وتُطبق حتى قبل العهد الحالی.
بین الترهیب الزجری واستحقاق الحوار
ویکشف المشهد التونسی أن الاقتصار على تنقیح فصل واحد من المرسوم 54 یمثل استجابه أدنى وضغطا تکتیکیا، دون أن ینهی الفجوه القائمه بین العقیده الأمنیه والزجریه للسلطه وبین التطلعات الحقوقیه للشارع.
فالأزمه تتجاوز مجرد تعدیل صیاغه نص قانونی إلى ضروره مراجعه فلسفه التعاطی مع حریه التعبیر، وتفعیل الحوار المؤسسی للوصول إلى بیئه قانونیه تشارکیه، تکون خطوتها الأولى -حسب المرزوقی وحجی- الإفراج عن الموقوفین على خلفیه آرائهم ومواقفهم السیاسیه.
وقبل أکثر من 5 أعوام، دخلت تونس -بعد إعلان الرئیس قیس سعید مجموعه من الإجراءات الاستثنائیه بینها حل البرلمان وإنهاء العمل بدستور عام 2014- منعطفا حادا غیّر ملامح المشهد السیاسی، إذ أصبحت تتجه بحسب منتقدین نحو ما یصفونه بأنه "دکتاتوریه جدیده"، الأمر الذی تنفیه السلطه.
المصدر: الجزیره