وکاله آریا للأنباء - الأنظمه القدیمه التی یصل عمرها إلى عقود لا تزال تشغل القطاعات الحیویه کالمستشفیات والمطارات والبنوک حول العالم (الجزیره/مولده بالذکاء الاصطناعی)
فی عصر الأقمار الصناعیه والذکاء الاصطناعی ، من الصعب تخیل أن مراقبی الحرکه الجویه قد یفقدون صور الرادار والاتصال بالطائرات لنحو 90 ثانیه بسبب خلل فی بنیه اتصالات قدیمه، لکن هذا ما حدث فی مرکز یوجه الرحلات المتجهه إلى مطار نیوارک لیبرتی الأمریکی فی أبریل/نیسان 2025.
وکشفت هذه الحادثه أن قطاعات تعتمد علیها حیاه الملایین لا تزال تستخدم أنظمه عتادیه وبرمجیه صممت أجزاء منها قبل انتشار الإنترنت والهواتف الذکیه والحوسبه السحابیه.
قصص مقترحه
list of 2 items وقد تظل أجهزه التصویر ومراقبه المرضى فی المستشفیات مرتبطه بأنظمه تشغیل لم تعد مدعومه، وتستمر أنظمه مرکزیه فی إداره الرحلات والحرکه الجویه فی المطارات رغم صعوبه صیانتها، فی حین لا تزال البنوک والحکومات تستخدم تعلیمات برمجیه کتبت بلغات برمجه تعود إلى ستینیات القرن الماضی.
لکن هذه الأنظمه لا تزال موجوده لأنها ما تزال تعمل، ولأن استبدالها قد یکون فی حد ذاته عملیه عالیه المخاطر.
أنظمه قدیمه لکنها لا تزال تعمل
تستخدم عباره الأنظمه القدیمه لوصف الحاله التقنیه للأنظمه أو التطبیقات أو الأجهزه المستمره بالعمل بعد توقف الشرکه المصنعه عن دعمها، أو عندما یصعب تحدیثها، أو عندما تعتمد على عتاد ولغات برمجه وبروتوکولات لم تعد مستخدمه على نطاق واسع.
ولا تعد هذه الأنظمه القدیمه عدیمه الفائده أو غیر صالحه للعمل، إذ قد تکون مستقره وموثوقه بعد عقود من الاختبار والتشغیل، لکنها غالبا ما ترتبط بسلسله واسعه من الأجهزه والبرامج، بحیث إن تغییر جزء منها قد یؤثر فی عملیات أخرى لم تعد موثقه بصوره کافیه.
وتظهر المشکله بصوره واضحه فی المعدات الطبیه، التی قد تمتد فتره استخدامها لسنوات طویله، بینما یکون نظام التشغیل أو البرمجیات التجاریه التی تعتمد علیها أقصر عمرا.
وقد سبق أن أظهرت دراسات وتقاریر تقنیه أن بعض أجهزه التصویر الطبی ظلت تعمل بأنظمه تشغیل قدیمه، مثل "ویندوز إکس بی"، فی وقت توقفت فیه الشرکه المنتجه عن توفیر التصحیحات الأمنیه لها.

النظام القدیم قد یستمر فی أداء مهمته بکفاءه، لکن ارتباطه بعشرات المکونات الأخرى یجعل استبداله أکثر تعقیدا (بیکسلز) وفی بعض الأجهزه الطبیه قد یتطلب التغییر اختبارات تحقق وإجراءات تنظیمیه إضافیه، لأن البرمجیات جزء من منظومه طبیه یجب التأکد من سلامه عملها قبل إعاده إدخالها إلى الخدمه.
لذلک تجد المؤسسات نفسها أمام معادله اختیار صعبه تتمثل فی الاحتفاظ بالنظام القدیم المعروف والمستقر والذی یؤدی وظیفته، أو الانتقال إلى نظام جدید یتطلب نقل البیانات واختبار التوافق وإعاده بناء الواجهات والتأکد من عدم تعطل العملیات المرتبطه به.
ولا تتمثل تکلفه النظام القدیم فی الأموال التی أنفقت علیه فی الماضی فقط، إنما فی تکلفه کل محاوله لإزالته، وهو ما تکشفه تجربه الحکومه الأمریکیه.
وراجع مکتب المساءله الحکومیه 69 نظاما قدیما قدمتها 24 جهه فدرالیه، وحدد 11 نظاما هی الأکثر حاجه إلى التحدیث، تراوحت أعمارها بین نحو 23 و60 عاما، وبلغت تکالیف تشغیلها وصیانتها نحو 754 ملیون دولار سنویا.
کما وجد أن 8 أنظمه تستخدم لغات برمجه قدیمه، وأن 4 أنظمه تعتمد على عتاد أو برمجیات أو أنظمه تشغیل لم تعد مدعومه، بینما تعمل 7 أنظمه مع ثغرات أمنیه معروفه.
وتنفق الحکومه الأمریکیه أکثر من 100 ملیار دولار سنویا على تقنیه المعلومات والأمن السیبرانی ، وتذهب قرابه 80% من هذه الأموال إلى تشغیل الأنظمه الحالیه وصیانتها بدل تطویر منظومات جدیده بالکامل.
لکن تأجیل التحدیث لا یعنی تجمید التکلفه، حیث أشار التقریر نفسه إلى أن تمدید عمر أحد الأنظمه التابعه لوزاره التعلیم الأمریکیه کان یمکن أن یکلف ما لا یقل عن 26.5 ملیون دولار.

تحدیث الأنظمه القدیمه لا یعنی استبدالها دفعه واحده، إنما نقل وظائفها تدریجیا وربطها بالبنیه الحدیثه مع إداره المخاطر (الجزیره/مولده بالذکاء الاصطناعی) عندما یتحول النظام المستقر إلى نقطه ضعف لا ترتبط المشکله بالتکلفه فقط، إنما فی اعتماد العملیات الیومیه على تلک الأنظمه القدیمه إلى درجه تجعل أی خلل صغیر قد یؤدی إلى تعطیل سلسله من العملیات مثل:
فی دیسمبر/کانون الأول 2022، ألغت شرکه الطیران "ساوث ویست" أکثر من 16 ألفا و700 رحله خلال موجه اضطرابات الطقس بعدما عجز نظام جدوله أطقم الطائرات "سکای سولفر" عن التعامل بسرعه مع التغیرات المتلاحقه، وقدرت خسائر الشرکه بنحو 825 ملیون دولار. خلال ینایر/کانون الثانی 2023، أدى خلل فی نظام الإخطارات الجویه الأمریکی إلى أول توقف وطنی لحرکه الطیران منذ نحو 20 عاما، مع إلغاء أکثر من 1300 رحله وتأخیر قرابه 10 آلاف أخرى، وذلک بسبب حذف ملفات عن طریق الخطأ أثناء إصلاح التزامن بین قاعده البیانات الرئیسیه ونسختها الاحتیاطیه. أما فی أغسطس/آب 2024، فقد تعرض میناء سیاتل إلى هجوم طلب فدیه استهدف أنظمه قدیمه تحتوی بیانات شخصیه، مما أدى إلى تعطیل عدد من الخدمات فی المطار والمیناء، واضطرار الموظفین فی بعض المواقع إلى العوده إلى الإجراءات الیدویه، مع تأثر البیانات الشخصیه لنحو 90 ألف شخص. فی أغسطس/آب 2025، شهدت شرکه الطیران "یونایتد" تعرض أکثر من ألف رحله إلى تأخیر لعده ساعات بعد تعطل نظام "یونیماتیک"، الذی یضم معلومات الرحلات ویمد أنظمه حساب الوزن والتوازن وتتبع أوقات الرحلات بالبیانات. وتظهر هذه الحالات أن الأنظمه القدیمه لیست بحاجه إلى الانهیار بالکامل حتى تصبح مشکله، إذ یکفی أن یحدث خلل فی نقطه تعتمد علیها بقیه المنظومه.
أنظمه القطاعات الحیویه التی لا یمکن إیقافها
فی القطاع الصحی، یصبح هامش الخطأ أصغر لأن بعض الأنظمه مرتبطه مباشره باستمرار الرعایه. ویشیر تحلیل أعدته وزاره الصحه والخدمات الإنسانیه الأمریکیه إلى أن 96% من المستشفیات أفادت باستخدام أنظمه تشغیل أو برمجیات منتهیه الدعم أو ذات ثغرات معروفه، بما فی ذلک الأجهزه الطبیه.
وقد یکون هذا النظام داخل جهاز متخصص ولیس فی حاسوب مکتبی تقلیدی، مثل محطه تشغیل جهاز تصویر أو نظام مراقبه مریض. وتظهر المشکله عندما یستمر الجهاز الطبی بالعمل بینما تصبح البرمجیات التی تُشغّله قدیمه، أو عندما یعتمد الجهاز على مکونات لم یَعُد المصنع یوفر لها تحدیثات أمنیه.
وفی هجوم "واناکرای" الذی ضرب هیئه الخدمات الصحیه الوطنیه البریطانیه عام 2017، تأثرت 81 مؤسسه من أصل 236 فی إنجلترا، فیما امتد الاضطراب إلى ما لا یقل عن 34% من المؤسسات التابعه للهیئه، وألغیت أو تعطلت آلاف المواعید والعملیات.

الخلل قد یبدأ فی نظام واحد، لکنه ینتقل سریعا إلى الرحلات والرکاب عندما یکون النظام جزءا من بنیه تشغیلیه مترابطه (بیکسلز) وأشار التحقیق الرسمی إلى استخدام بعض المؤسسات أنظمه "ویندوز" غیر مدعومه، کما کانت بعض الأجهزه الطبیه تعمل بنظام التشغیل "ویندوز إکس بی".
کما أظهرت بیانات استند إلیها مکتب المساءله الحکومیه الأمریکی، ونقلها تقریر عن إخطار صادر عن مکتب التحقیقات الفیدرالی، أن 53% من الأجهزه الطبیه المتصله وأجهزه إنترنت الأشیاء فی المستشفیات کانت تحمل ثغرات حرجه معروفه حتى ینایر/کانون الثانی 2022.
وفی المقابل، تظهر منظومه الطیران الأمریکیه أن المشکله لیست محصوره فی المستشفیات، حیث کشف مکتب المساءله الحکومیه الأمریکی فی عام 2024 أن إداره الطیران الفیدرالیه صنفت 51 نظاما من أصل 138 نظاما تستخدمها فی إداره الحرکه الجویه على أنها غیر مستدامه.
بینما وصفت الإداره 54 نظاما إضافیا بأنها قد تکون غیر مستدامه، ومن بین الأنظمه الأکثر إثاره للقلق 17 نظاما کان من المقرر فی بعض الحالات ألا تکتمل استثمارات تحدیثها قبل ست سنوات على الأقل، وفی حالات أخرى قبل 10 أو 13 عاما.
وتدیر هذه الأنظمه وظائف تمتد من الاتصالات والمراقبه إلى الطقس والملاحه، ولذلک فإن استبدالها یتطلب أولا بناء البدیل واختباره وتشغیله بالتوازی ونقل الوظائف إلیه تدریجیا دون التأثیر فی سلامه المجال الجوی.
وفی متابعه 2026، أکد مکتب المساءله الحکومیه الأمریکی أن تحدیث منظومه مراقبه الحرکه الجویه ما یزال مشروعا طویل الأجل، وحذر من أن ضعف التخطیط للتکلفه والجدول الزمنی قد یفرض استمرار الاعتماد على أنظمه قدیمه معرضه للفشل.
إصلاح التعلیمات البرمجیه التی کتبها الجیل السابق
قد یکون الجزء الصعب من النظام القدیم مخفیا داخل التعلیمات البرمجیه، حیث لا تزال لغه البرمجه "کوبول" حاضره فی أنظمه مالیه وحکومیه ومؤسسیه کبیره، وتعالج تریلیونات الدولارات من المعاملات الیومیه عبر أنظمه الضرائب والرواتب والمعاشات والحجوزات والمدفوعات.
وقد أشار تقریر مکتب المساءله الحکومیه الأمریکی نفسه إلى استخدام "کوبول" ولغات قدیمه أخرى فی عدد من الأنظمه الفیدرالیه الحرجه، مع تراجع عدد الأشخاص الذین یملکون المهارات اللازمه لدعم هذه البیئات.
لکن المشکله لا ترتبط بصعوبه قراءه لغه "کوبول" نفسها، إنما فی فهم تشابک التعلیمات البرمجیه التی کتبت قبل عشرات السنین وخضعت لمئات التعدیلات، وکیفیه تعامل النظام مع الحالات الخاصه التی لا تظهر فی الوثائق الرسمیه.

بعض الأجهزه الطبیه تظل فی الخدمه سنوات طویله، بینما ینتهی دعم نظام التشغیل الذی تعتمد علیه، فتتحول عملیه إطاله عمرها إلى تحد أمنی (أنسبلاش) وبمرور الوقت تصبح قواعد العمل والاستثناءات والعلاقات بین الملفات مخفیه داخل التعلیمات البرمجیه نفسها، بدل أن تکون موثقه فی وثائق منفصله، ولا یستطیع فک غموضها إلا من کتبها أو عمل معها لسنوات طویله، لأن المبرمجین کانوا یدخلون التعدیلات یدویا طوال عقود دون توثیقها.
وقد تمتلک المؤسسه النظام، لکنها لا تملک عددا کافیا من الأشخاص الذین یعرفون لماذا یعمل بهذه الطریقه، وظهرت هذه المشکله بوضوح خلال عام 2020، عندما اضطرت ولایات أمریکیه إلى البحث عن مطورین قادرین على التعامل مع أنظمه قدیمه مبنیه على حواسیب مرکزیه ولغه "کوبول".
ونتیجه لذلک، تلجأ مشاریع التحدیث الکبیره قبل نقل الأنظمه إلى تحدید التبعیات بین المکونات، واستخراج قواعد العمل، وتوثیق التعلیمات البرمجیه، وفهم مسارات البیانات.
وفی هذه المرحله بدأ الذکاء الاصطناعی یساعد فی تحلیل التعلیمات البرمجیه القدیمه، واکتشاف العلاقات بین مکوناتها وإنشاء الوثائق، إلى جانب المساعده فی تحویل أجزاء منها إلى لغات حدیثه.
التحدیث بالتدریج وإداره المخاطر
تحویل التعلیمات البرمجیه آلیا لا یعنی أن النظام الجدید أصبح آمنا وجاهزا للعمل، حیث یرتبط الاختبار الحقیقی بالحفاظ على السلوک والقواعد التی اعتمدت علیها المؤسسه لسنوات طویله.
وتوضح تجارب تحدیث الأنظمه المعقده أن الاستبدال الکامل دفعه واحده یرفع مخاطر التنفیذ عندما تکون التبعیات بین المکونات غیر مفهومه بالکامل.
ولذلک، تتجه القطاعات الحیویه نحو تطبیق إستراتیجیات التحدیث التدریجی وإداره المخاطر، التی أثبتت فعالیتها فی العدید من الحالات.
وتمثل إعاده الاستضافه أحد هذه الأسالیب، حیث ینقل التطبیق القدیم إلى بنیه تحتیه حدیثه دون إعاده کتابه التعلیمات البرمجیه بالکامل، مما قد ینقل بعض أعباء العتاد القدیم إلى بیئه أکثر قابلیه للإداره.
وهناک أیضا البرمجیات الوسیطه وواجهات التکامل التی تسمح للنظام القدیم بالتواصل مع التطبیقات الحدیثه من دون تفکیکه بالکامل.
وفی حالات أخرى یمکن تشغیل النظام القدیم والجدید بالتوازی، مع نقل الوظائف تدریجیا، بحیث لا یؤدی فشل مرحله واحده إلى توقف المنظومه کلها.
ولا یلغی هذا النهج المخاطر، لکنه یغیر طبیعتها، وبدل أن یکون الخطأ قادرا على إسقاط النظام بأکمله، یصبح محصورا فی مرحله یمکن اختبارها والتراجع عنها.
ختاما، فإن الأنظمه القدیمه لا تموت لأن قطاعات کامله بنت حولها إجراءات وبیانات وخبرات، ولأن استبدالها قد یکون أکثر خطرا من بقائها على المدى القصیر، لکن التأجیل یراکم التکلفه والمخاطر، ویزید صعوبه العثور على الخبرات القادره على صیانتها، ویوسع الفجوه بینها وبین متطلبات الأمن السیبرانی .
ولا یتمثل الحل فی استبدالها کلها دفعه واحده أو ترکها تعمل إلى أجل غیر محدد، إنما فی إداره المخاطر، وتحدید الأولویات، وتحدیث الأنظمه تدریجیا، مع حمایه ما یتعذر استبداله، حیث إن الأنظمه التی صنعت استقرار القطاعات الحیویه طوال عقود قد تتحول إلى أکثر نقاطها ضعفا إذا أهملت طویلا.
المصدر: الجزیره + وکالات