وکاله آریا للأنباء - الکلیه الملکیه للصیدله فی بریطانیا أنهت رعایه شرکه "تیفا" الإسرائیلیه للأدویه ومشارکتها فی مؤتمرها السنوی (شترستوک)
تواجه إسرائیل اتساعا متزایدا فی عزلتها الأوروبیه، مع انتقال الاعتراض على حربها فی غزه وسیاساتها فی الضفه الغربیه من الاحتجاجات الشعبیه إلى قرارات مهنیه ونقابیه وضغوط اقتصادیه بدأت تقلق الصناعات الدفاعیه الإسرائیلیه.
وفیما تتعثر حکومات الاتحاد الأوروبی فی الاتفاق على إجراءات موحده، تتحرک قطاعات من المجتمع الأوروبی لفرض کلفه عملیه على استمرار السیاسات الإسرائیلیه.
قصص مقترحه
list of 2 items فی تقریر لها من بروکسل، ترصد جنیفر رانکین، مراسله صحیفه "غاردیان "، المفارقه بین تصاعد الغضب الشعبی الأوروبی وعجز الاتحاد الأوروبی عن تحویله إلى سیاسه مشترکه.
فعلى الرغم من التحول الذی شهدته المواقف البریطانیه، وإعلان لندن فرض عقوبات تجاریه واسعه على المستوطنات الإسرائیلیه غیر القانونیه، وإدانتها ما وصفته بالتطهیر العرقی فی الضفه الغربیه، لم تنتقل هذه الخطوات حتى الآن إلى تحرک أوروبی جماعی بالحجم المتوقع.

مسیره مؤیده للفلسطینیین فی برلین بألمانیا فی الذکرى السنویه الثالثه لهجوم السابع من أکتوبر 2023 (رویترز) اتساع الهوه
وانضمت فرنسا وکندا إلى التعهد بفرض قیود على منتجات المستوطنات ومعاقبه الجهات التی تسهّل أنشطتها أو تستفید منها، کما أعلنت دول أخرى عزمها تقیید التجاره مع الشرکات العامله وراء الخط الأخضر . لکن هذه التحرکات لا تزال دون مستوى تشکیل جبهه أوروبیه موحده قادره على تغییر حسابات الحکومه الإسرائیلیه.
وتکشف استطلاعات الرأی عن اتساع الهوه بین السیاسات الرسمیه ومواقف قطاعات واسعه من الجمهور. فبحسب استطلاع لمرکز "بیو" للأبحاث شمل 10 بلدان أوروبیه، ارتفعت النظره السلبیه إلى إسرائیل فی دول عده مقارنه بالعام السابق.
وبلغت نسبه أصحاب الآراء السلبیه 75% فی إیطالیا و73% فی ألمانیا و70% فی بولندا، فی مؤشر إلى أن الانتقادات لم تعد محصوره فی الدول الأکثر تأییدا للقضیه الفلسطینیه.

5 دول قررت مقاطعه مسابقه الأغنیه الأوروبیه "یوروفیجن" هذا العام احتجاجا على مشارکه إسرائیل (رویترز) المجال الثقافی
ویمتد هذا التحول إلى المجال الثقافی أیضا، فقد اختارت 5 دول مقاطعه مسابقه الأغنیه الأوروبیه "یوروفیجن" هذا العام احتجاجا على مشارکه إسرائیل، بعد أن رفض المنظمون استبعادها على خلفیه سلوکها فی حرب غزه وتصاعد العنف فی الضفه الغربیه. وهکذا باتت مشارکه إسرائیل فی فعالیات أوروبیه تواجه اعتراضات تتجاوز الدوائر السیاسیه إلى المؤسسات الثقافیه والجمهور.
وتأتی هذه التحولات فی ظل استمرار الکارثه الإنسانیه فی غزه، حیث أوردت "غاردیان" أن عدد الشهداء الفلسطینیین تجاوز 74 ألفا، بینهم ما لا یقل عن 21 ألفا و200 طفل، منذ اندلاع الحرب فی أعقاب هجوم 7 أکتوبر/تشرین الأول 2023.
ولا تزال الأوضاع الإنسانیه تعانی نقص المیاه والغذاء والأدویه والمعدات الطبیه، إلى جانب انهیار اقتصادی وانتشار الأمراض واستمرار سقوط القتلى رغم إعلان وقف إطلاق النار.
یدیعوت أحرونوت:
التداعیات قد تتجاوز الشرکات العامله فی المستوطنات إلى مؤسسات إسرائیلیه أخرى، إذ قد تفضل شرکات أجنبیه تجنب التعامل مع الموردین الإسرائیلیین لتقلیل المخاطر القانونیه والتجاریه
انقسامات داخلیه
غیر أن الاتحاد الأوروبی، الذی تربطه بإسرائیل علاقه تجاریه واسعه تبلغ قیمتها نحو 68 ملیار یورو (نحو 73.4 ملیار دولار)، لا یزال أسیر انقساماته الداخلیه.
فإسبانیا وأیرلندا تدفعان باتجاه مراجعه مدى التزام إسرائیل بشروط حقوق الإنسان الوارده فی اتفاق الشراکه مع الاتحاد، بینما تعارض ألمانیا والنمسا اتخاذ إجراءات تستهدف الحکومه الإسرائیلیه، وتقترب مواقف التشیک وإیطالیا من توجهات حکومه بنیامین نتنیاهو . أما فرنسا وهولندا ودول أخرى فتتخذ مواقف أکثر انتقادا، لکنها لم تنجح فی تحویلها إلى إجماع على العقوبات.
ووصف مدیر مشروع الشرق الأوسط الأوروبی فی بروکسل مارتن کونیش، موقف الاتحاد بأنه استمرار لحاله من "عدم الفاعلیه التی یفرضها على نفسه".
وازداد الضغط على بروکسل بعدما أصدر أکثر من 500 مسؤول ودبلوماسی أوروبی سابق بیانا انتقدوا فیه عجز الاتحاد عن التحرک إزاء ما یجری فی غزه والضفه الغربیه، واتهموا ألمانیا وإیطالیا بعرقله الإجراءات الأوروبیه، بما یقوّض قیم الاتحاد و حل الدولتین .

تشییع طفل استُشهد فی غاره إسرائیلیه على قطاع غزه (الفرنسیه) ضغوط من مؤسسات مهنیه ونقابیه
لکن ما تعجز الحکومات عن إنجازه على المستوى الجماعی بدأ یظهر فی مؤسسات مهنیه ونقابیه. ففی تقریر آخر لـ "غاردیان"، یقول دینیس کامبل إن الکلیه الملکیه للصیدله فی بریطانیا أنهت رعایه شرکه "تیفا" الإسرائیلیه للأدویه ومشارکتها فی مؤتمرها السنوی، بعد مراجعه داخلیه أثارت مخاوف بشأن أنشطه للشرکه لا تتوافق مع قیم المؤسسه.
وجاء القرار بعد خطوه مماثله اتخذتها الکلیه الملکیه للتمریض، التی قطعت علاقاتها بالشرکه عقب ضغوط من ناشطین مؤیدین للفلسطینیین.
واستندت حمله الضغط إلى مطالبه المؤسسات الصحیه بتطبیق معاییر أخلاقیه متسقه، مشیره إلى أن مؤسسات مهنیه بریطانیه اتخذت إجراءات ضد شرکات روسیه بعد غزو أوکرانیا عام 2022.
وطالب ناشطون بتطبیق التدقیق الأخلاقی نفسه على العلاقات التجاریه والاستثمارات المرتبطه بإسرائیل، فیما دعوا مؤسسات صحیه أخرى إلى مراجعه علاقاتها مع شرکه "تیفا".
ولا یستند الجدل حول الشرکه إلى موقفها من إسرائیل وحده؛ فقد سبق أن واجهت غرامات وتسویات قانونیه فی الولایات المتحده وأوروبا، من بینها غرامه أوروبیه بقیمه 462.6 ملیون یورو (نحو 499.6 ملیون دولار) عام 2024 على خلفیه عرقله المنافسه فی سوق دواء لعلاج التصلب المتعدد، فضلا عن قضایا سابقه تتعلق بتثبیت أسعار أدویه والرشوه. ومع ذلک، رفضت الشرکه قرار الکلیه الملکیه للصیدله، محذره من تسییس الرعایه الصحیه.
الصناعات الدفاعیه
وفی قطاع أکثر حساسیه، تتزاید المخاوف الإسرائیلیه من أن تتحول القیود التجاریه إلى ضغوط على الصناعات الدفاعیه. ویشیر یوفال أزولای فی موقع "وای نت" التابع لصحیفه یدیعوت أحرونوت إلى أن شرکات تصنیع أسلحه بریطانیه وکندیه بدأت توجیه استفسارات إلى شرکات دفاع إسرائیلیه بشأن أنشطتها فی المستوطنات ومصادر المواد الخام وعلاقاتها التجاریه مع الشرکات العامله هناک. وقد تصبح الإجابات عاملا حاسما فی استمرار التعاون، خصوصا إذا خشیت الشرکات الأجنبیه مخالفه أنظمه العقوبات.
وتکمن الخطوره فی أن التداعیات قد تتجاوز الشرکات العامله فی المستوطنات إلى مؤسسات إسرائیلیه أخرى، إذ قد تفضل شرکات أجنبیه تجنب التعامل مع الموردین الإسرائیلیین لتقلیل المخاطر القانونیه والتجاریه. کما أن استبدال مکونات تستخدم فی الطائرات المقاتله والمروحیات والطائرات المسیّره وأنظمه الاتصالات قد یستغرق أشهرا، بسبب الاختبارات والتعدیلات اللازمه لضمان سلامه الأنظمه وجاهزیتها.

بینما یتحدث نتنیاهو عن بناء استقلال أمنی وصناعی یجعل إسرائیل أقل اعتمادا على الخارج، تکشف الضغوط الأوروبیه مدى صعوبه تحقیق ذلک (الفرنسیه) محاولات لتعطیل النقل
وفی فرنسا، انتقل الضغط من المطالبه بالمقاطعه إلى محاوله تعطیل شحنات مرتبطه بالصناعات العسکریه الإسرائیلیه. وذکرت صحیفه "هآرتس" الإسرائیلیه، فی تقریر لهاغای أمیت بالتعاون مع "ذی مارکر"، أن منظمات عمالیه فرنسیه قالت إنها منعت تحمیل شحنه من المکونات المخصصه لشرکه " إلبیت سیستمز " الإسرائیلیه على رحله تابعه للخطوط الجویه الفرنسیه من مطار شارل دیغول إلى مطار بن غوریون .
وأعلنت النقابات أنها ستسعى أیضا إلى منع نقل الشحنه على رحله لشرکه "العال"، مطالبه السلطات الفرنسیه وشرکات الطیران بوقفها. فی المقابل، أکدت الخطوط الجویه الفرنسیه أن الشحنه لم تُنقل على متن طائراتها، وقالت إنها لا تنقل أسلحه أو ذخائر إلى إسرائیل.
لا تعنی هذه التحرکات أن أوروبا اتفقت على سیاسه موحده، أو أن العزله الشعبیه ستتحول تلقائیا إلى حظر شامل للتجاره والسلاح. لکنها تکشف أن إسرائیل تواجه بیئه أوروبیه مختلفه، لم تعد فیها المواقف الحکومیه وحدها هی المحدد للعلاقات معها. فحین تتحرک النقابات والمؤسسات المهنیه والشرکات لتقلیص علاقاتها أو إعاده فحصها، یصبح استمرار التعاون أکثر کلفه وتعقیدا.
وهنا تتجلى المفارقه التی تواجه نتنیاهو: فبینما تتحدث حکومته عن بناء استقلال أمنی وصناعی یجعل إسرائیل أقل اعتمادا على الخارج، تکشف الضغوط الأوروبیه مدى صعوبه تحقیق ذلک فی عالم تتشابک فیه سلاسل الإنتاج والتکنولوجیا والتسلیح.
وقد تواصل الحکومات المماطله، لکن المجتمعات والمؤسسات التی بدأت تسحب الغطاء الأخلاقی والتجاری عن إسرائیل تضیق تدریجیا مساحه المناوره المتاحه لها.
المصدر: غاردیان + هآرتس + وای نت