
وکاله آریا للأنباء -
من فقدان الأحبه والوظائف إلى القلق والاکتئاب واضطراب ما بعد الصدمه، یواجه السودانیون تداعیات نفسیه عمیقه للحرب، بینما تحاول مراکز العلاج النفسی استعاده خدماتها وسط نقص الکوادر والأدویه وانقطاع المیاه والکهرباء.
ولا تتوقف خسائر الحرب فی السودان عند المنازل المدمره والأسر المشتته والأرواح التی أزهقتها المعارک، بل تمتد إلى جراح نفسیه عمیقه یحملها الناجون معهم، بین ذکریات الفقد وصدمه النزوح والخوف من المجهول. ومع عوده بعض مراکز العلاج النفسی إلى العمل بعد توقف استمر أکثر من عامین، تتکشف ملامح معاناه إنسانیه تتطلب علاجا یتجاوز تضمید الجراح الجسدیه.
قصص مقترحه
list of 2 items وفی الیوم العالمی للصحه النفسیه، الذی یهدف إلى رفع مستوى الوعی بقضایا الصحه النفسیه وتعبئه الجهود لدعمها، قالت وزاره الصحه السودانیه إن عددا من منافذ العلاج النفسی فی العاصمه الخرطوم استأنفت تقدیم خدماتها للمرضى وطالبی الرعایه النفسیه بعد توقف قسری بسبب الحرب.
وفی أم درمان، رصد مراسل الجزیره أسامه سید أحمد، فی تقریر مصور، جانبا من معاناه السودانیین الذین أنهکتهم الحرب، بعدما فقد بعضهم أفراد أسرهم وأموالهم ووظائفهم، فیما لا یزال آخرون عاجزین عن معرفه مصیر ذویهم.
وقال أحد مراجعی خدمات العلاج النفسی إن بعض الأشخاص فقدوا قدرتهم على مواصله حیاتهم بصوره طبیعیه بعد خساره أموالهم ووظائفهم وأسرهم، مضیفا أن هناک عائلات لا تعرف حتى الآن أین یوجد أفرادها.
فقدان الأحبه.. جراح لا تلتئم
خلف الأبواب التی تستقبل المرضى، تختبئ قصص موجعه عن الفقد والعجز عن إنقاذ الأحبه بسبب ظروف الحرب. ویروی أحد المواطنین معاناه أسرته فی الحصول على العلاج لوالدته، التی کانت تحتاج إلى جلسه غسیل کلى أسبوعیا، فی ظل صعوبات بالغه فی توفیر الرعایه الطبیه.
وقال المواطن إن أسرته واجهت معاناه شدیده لتأمین جلسه علاج واحده أسبوعیا، رغم حاجه والدته إلیها للتخلص من السموم المتراکمه فی جسدها، قبل أن تفارق الحیاه. وأضاف أن الحرب کانت السبب الرئیسی فی وفاتها، فی شهاده تختصر کیف تحولت صعوبه الوصول إلى الخدمات الطبیه إلى مأساه ترکت آثارا نفسیه عمیقه فی نفوس ذوی المرضى.
القلق والاکتئاب وصدمه الحرب
وبحسب تقریر الجزیره، یعد القلق والاکتئاب واضطراب ما بعد الصدمه من أبرز المشکلات النفسیه التی تواجه آلاف المترددین على مستشفیات ومراکز العلاج النفسی فی العاصمه السودانیه بعد الحرب.
ومع محدودیه المراکز التی استأنفت عملها، تحاول أقسام متخصصه فی بعض المستشفیات ومراکز التأهیل النفسی الخاصه تقدیم الخدمات المتاحه، رغم نقص الإمکانات وصعوبه تلبیه احتیاجات المرضى المتزایده.
وقالت عائشه المبشر، نائبه مدیر مرکز بت مکلی للرعایه النفسیه، إن المرکز یقدم الدعم لمختلف الفئات، مؤکده استعداد العاملین فیه لمواصله تقدیم الخدمات النفسیه للسودانیین ومساعدتهم على التعافی من صدمات الحرب والمعاناه المرتبطه بها.
وأوضحت أن المرکز، بالتعاون مع الأخصائیین النفسیین فی السودان ، مستعد لتقدیم ما یستطیع من خدمات لمسانده المتضررین، فی ظل الحاجه إلى جهود واسعه لمعالجه الآثار النفسیه التی خلفها النزاع.
العمل وسط تحدیات قاسیه
وفی محاوله لاستعاده الخدمات المتخصصه، بدأ مستشفى التجانی الماحی، أکبر مستشفى لعلاج الأمراض النفسیه فی الخرطوم، استئناف نشاطه بعد توقف استمر أکثر من عامین بسبب الحرب، لیعود إلى استقبال المرضى وطالبی الرعایه النفسیه.
غیر أن عوده المستشفى لم تنه الصعوبات التی تواجهه؛ إذ لا تزال انقطاعات المیاه والکهرباء ونقص الکوادر المؤهله تعرقل قدرته على تقدیم الخدمات المطلوبه.
وأوضحت مدیره مستشفى التجانی الماحی للعلاج النفسیمی محمد یوسف، أن إداره المستشفى حاولت فی البدایه تقدیم الخدمات عبر قسم فی مستشفى الأنواء بمنطقه الثوره، لکن العمل یوما واحدا لم یکن کافیا لتلبیه احتیاجات المرضى، ما دفعها إلى السعی لتشغیل عیادات یومیه فی مستشفى التجانی الماحی.
وأضافت أن استئناف العمل واجه تحدیات کبیره، من بینها وجود الکوادر الطبیه المؤهله خارج السودان، وعدم جاهزیه المبنى، إلى جانب غیاب المیاه والکهرباء. ولم یسلم المستشفى نفسه من آثار الحرب، إذ تعرضت بعض مرافقه للدمار والنهب والتخریب، ما زاد صعوبه إعاده تأهیله وتشغیله لاستقبال المرضى.
معاناه تتجاوز الدمار المادی
ولا تقتصر التحدیات على نقص المرافق والکوادر، بل تشمل أیضا شح الأدویه النفسیه وارتفاع أسعارها، الأمر الذی یضع أعباء إضافیه أمام المرضى وأسرهم، ویحد من قدرتهم على مواصله العلاج. وتتضاعف هذه المعاناه فی ظل اتساع الاحتیاجات النفسیه الناجمه عن الحرب، ولا سیما بین الأطفال والشبان، الذین تحذر هیئات أممیه من الآثار المدمره للنزاعات الدمویه على صحتهم النفسیه.
وبینما تحاول المؤسسات الصحیه إعاده فتح أبوابها، تبقى رحله التعافی طویله، فی بلد لم تقتصر خسائره على ما دمرته الحرب من مبان ومرافق، بل امتدت إلى حیاه الناس وذکریاتهم وشعورهم بالأمان.
المصدر: الجزیره