
وکاله آریا للأنباء -
أعاد قرار الرئیس الفلسطینی محمود عباس تأجیل الانتخابات التشریعیه والرئاسیه إلى 11 سبتمبر/أیلول 2027 الجدل بشأن مستقبل النظام السیاسی الفلسطینی، فی ظل استمرار الانقسام الداخلی، وتصاعد الاعتداءات الإسرائیلیه، وتراجع فرص تجدید المؤسسات الفلسطینیه عبر صنادیق الاقتراع، بعد نحو عقدین على آخر انتخابات تشریعیه.
وبینما استند المرسوم الرئاسی إلى المعوقات التی تفرضها الإجراءات الإسرائیلیه والحاجه إلى تهیئه الظروف لإجراء انتخابات حره ونزیهه وشامله، تباینت قراءات محللین سیاسیین للقرار ودوافعه، بین من رأى أنه جاء نتیجه تقدیرات سیاسیه لم تصمد أمام التطورات المیدانیه، ومن اعتبره تعبیرا عن تعثر حسابات السلطه الفلسطینیه بشأن شکل المشارکه الانتخابیه ومآلاتها.
قصص مقترحه
list of 2 items وناقش برنامج "ما وراء الخبر" على قناه الجزیره ، دوافع التأجیل، ومواقف الفصائل الفلسطینیه منه، والبدائل الممکنه فی ظل التحدیات الراهنه، فضلا عن انعکاساته على شرعیه المؤسسات الفلسطینیه ومستقبلها.
ویرى الکاتب والمحلل السیاسی محمد هواش أن قرار إجراء الانتخابات اتخذ فی یولیو/تموز الماضی تحت ضغوط دولیه وإقلیمیه، فی ظل مطالبات بإصلاح النظام السیاسی الفلسطینی وإجراء انتخابات فی أقرب فرصه، لکنه وصف القرار بأنه متسرع، ولم یأخذ فی الحسبان تعقیدات المشهد الفلسطینی.
وأوضح هواش أن التطورات فی الضفه الغربیه، وتصاعد هجمات المستوطنین، وتوسع الاستیطان، إلى جانب الصعوبات الفنیه المتعلقه بإجراء الانتخابات فی قطاع غزه، أسهمت فی مراجعه قرار إجراء الانتخابات فی موعدها السابق.
وأضاف أن الانتخابات کانت ضروره فلسطینیه لتأکید حق تقریر المصیر ، وإنهاء حاله الانقسام التی حالت دون إجراء انتخابات رئاسیه وتشریعیه منذ نحو 20 عاما، لکنه أشار إلى أن الظروف السیاسیه والأمنیه الحالیه فرضت تحدیات کبیره أمام تنفیذ الاستحقاق.
فی المقابل، اعتبر مدیر المرکز الفلسطینی لأبحاث السیاسات والدراسات الاستراتیجیه "مسارات" هانی المصری أن الحسابات التی استند إلیها المرسوم السابق لم تکن دقیقه، وأنها اصطدمت بواقع سیاسی مختلف، سواء على مستوى التطورات الإقلیمیه أو المواقف الإسرائیلیه.
وأشار المصری إلى أن تصورات إجراء الانتخابات ارتبطت بخطه طرحها الرئیس الأمریکی دونالد ترامب، تضمنت تخلی حرکه المقاومه الإسلامیه «حماس» عن السلطه فی قطاع غزه ونزع سلاحها والتحول إلى حزب سیاسی، لکنه قال إن رئیس الوزراء الإسرائیلی بنیامین نتنیاهو رفض الخطه، ما أدى إلى تعثر التصورات المرتبطه بها.
وأضاف أن وجود مجلس تشریعی فلسطینی منتخب قد یثیر إشکالیه ازدواج المرجعیه مع «مجلس السلام»، الذی قال إنه حصل على قرار من مجلس الأمن یمنحه الولایه حتى نهایه العام المقبل، مع إمکانیه تمدیدها. ورأى المصری أن التصعید الإسرائیلی فی الضفه الغربیه وقطاع غزه یعکس، وفق تقدیره، عدم رغبه إسرائیل فی إجراء انتخابات من شأنها توحید الضفه والقطاع وتجسید الهویه الوطنیه الفلسطینیه، فی وقت تسعى فیه إلى فرض وقائع سیاسیه وجغرافیه جدیده.
حسابات الفصائل والسلطه
من جهته، اعتبر مدیر المؤسسه الفلسطینیه للإعلام إبراهیم المدهون أن الإشکالیه بدأت، بحسب قراءته، مع المرسوم الأول الذی حدد موعد الانتخابات من دون توافق وطنی شامل.
وقال المدهون إن استعداد حماس والجهاد الإسلامی والجبهه الشعبیه والتیار الإصلاحی وفصائل أخرى لخوض الانتخابات، والحوار الذی جرى بینها، ربما دفع السلطه الفلسطینیه إلى إعاده حساباتها، بعدما تبین أن نتائج الاقتراع المحتمله قد لا تتوافق مع التصورات التی قامت علیها الدعوه إلى الانتخابات.
وأضاف أن لکل طرف فلسطینی حساباته الخاصه فی التعامل مع قرار التأجیل، مشیرا إلى أن البدائل لم تتبلور حتى الآن فی صوره واضحه، وأن الدعوات إلى الحوار لا تکفی ما لم تتحول إلى خطوات تنفیذیه محدده. وفی هذا السیاق، رأى المصری أن حسابات حرکه فتح والسلطه الفلسطینیه بشأن فرص الفوز لم تکن منفصله عن شروط المشارکه فی الانتخابات، مشیرا إلى أن بعض الفصائل کانت تواجه قیودا على المشارکه، وأن قانون الانتخابات تضمن، بحسب قوله، شروطا إقصائیه مرتبطه ببرنامج منظمه التحریر الفلسطینیه .
لکنه أکد أن هذه الحسابات تغیرت مع محاولات تشکیل قوائم انتخابیه یمکن أن تعید رسم المشهد السیاسی الفلسطینی.
ورغم اختلاف المحللین بشأن دوافع القرار، اتفقت مداخلاتهم على أن تأجیل الانتخابات لا یعالج وحده أزمه النظام السیاسی الفلسطینی، وأن استمرار الانقسام وغیاب التوافق على قواعد المشارکه والتمثیل یضعف فرص الوصول إلى تسویه داخلیه مستدامه.
هل یمنح التأجیل فرصه سیاسیه جدیده؟
فی تبریره للجدوى المحتمله من الانتظار، قال هواش إن الأشهر المقبله قد تکشف ملامح جدیده للمشهد السیاسی الإسرائیلی، فی ضوء الانتخابات الإسرائیلیه المقبله، کما قد تتضح توجهات السیاسه الأمریکیه بعد انتخابات التجدید النصفی للکونغرس.
واعتبر أن هذه التطورات قد تمنح الفلسطینیین فرصه لاتخاذ قرارات على أساس مواقف ملموسه، بدلا من التعویل على توقعات غیر مؤکده، بالتوازی مع مواصله الحوار الفلسطینی الداخلی. وأشار إلى أن حرکه حماس أقرت، فی بیانها بشأن القرار، بأن الظروف الراهنه لا تسمح بإجراء الانتخابات من الناحیتین الإجرائیه والسیاسیه، وهو ما قد یفتح المجال أمام حوار فلسطینی أکثر جدیه.
لکن المدهون حذر من أن تأجیل الانتخابات لا یضمن تحقیق الأولویات الفلسطینیه، وفی مقدمتها إنقاذ قطاع غزه، ومواجهه التحدیات فی الضفه الغربیه، وإنهاء الانقسام. وقال إن السلطه الفلسطینیه مطالبه بالتحرک لمواجهه الأوضاع فی غزه والتهدیدات التی تواجه الفلسطینیین فی الضفه الغربیه، داعیا إلى استثمار الفتره الفاصله فی إصلاح المؤسسات السیاسیه، بدلا من ترکها رهینه الخلافات بین الفصائل.
وأضاف أن التوافق الوطنی یمکن أن یمثل بدیلا مؤقتا عن الانتخابات، شرط ألا یستخدم لإدامه احتکار القرار، وأن یقوم على مشارکه شامله لجمیع القوى الفلسطینیه من دون إقصاء أو تمییز.
أزمه الشرعیه ومستقبل المؤسسات الفلسطینیه
ویضع غیاب الانتخابات منذ سنوات المؤسسات الفلسطینیه أمام تساؤلات متزایده بشأن شرعیتها وقدرتها على تمثیل الفلسطینیین فی مرحله تتصاعد فیها التحدیات السیاسیه والأمنیه. وحذر المصری من أن استمرار الوضع الحالی، والعوده إلى حوارات لا تنفذ مخرجاتها، قد یسهمان فی إضعاف منظمه التحریر الفلسطینیه والسلطه الفلسطینیه، وفتح المجال أمام بدائل تسعى إسرائیل، بدعم أمریکی وفق تقدیره، إلى فرضها.
ودعا إلى عقد حوار وطنی شامل لا یقتصر على الفصائل، بل یضم ممثلین عن الشباب والمرأه والشتات ومؤسسات المجتمع المدنی والقطاع الخاص والشخصیات الوطنیه، بهدف الاتفاق على مشروع وطنی وبرنامج سیاسی وأسس للشراکه واستراتیجیه نضالیه وقیاده موحده.
وشدد على أن هذا الحوار ینبغی أن یفضی إلى خارطه طریق واضحه، تکون الانتخابات جزءا منها، لا أن تتحول المفاوضات الداخلیه إلى سلسله جدیده من الاتفاقات التی لا تجد طریقها إلى التنفیذ. واعتبر المصری أن استمرار الخلافات الداخلیه بینما تتوسع المستوطنات وتتزاید الاعتداءات على القدس ویستمر الدمار والتهجیر فی غزه، وتتواصل خطوات ضم الضفه الغربیه، یفرض على القوى الفلسطینیه تغییر مقاربتها السیاسیه وعدم الاکتفاء بتکرار التجارب السابقه.
وأکد أن تحدید موعد جدید للانتخابات، فی حد ذاته، لا یوفر ضمانه لإجرائها، ما لم یسبقه توافق وطنی تمثیلی على مجمل القضایا الخلافیه، بما فیها شکل النظام السیاسی وآلیات الشراکه وإعاده بناء المؤسسات.
ویرى المدهون أن إصلاح منظمه التحریر والسلطه الفلسطینیه وإعاده تأهیل المؤسسات ینبغی أن یتصدرا الأولویات، بما یضمن مشارکه الجمیع ویمنع احتکار القرار من أی طرف. أما المصری فشدد على ضروره أن یکون الحوار المقبل مختلفا عن الحوارات السابقه، وأن یشارک فیه ممثلون عن مختلف مکونات المجتمع الفلسطینی، وصولا إلى اتفاق على مشروع وطنی جامع وخارطه طریق قابله للتنفیذ.
المصدر: الجزیره