وکاله آریا للأنباء - رحله خلف الأسوار.. قراءه فی کتاب "الدَّرَّاس: السجن لغه معیشه وهویه" (الجزیره)
"خلال النوم فی وضعیه زحام شدید بالعنبر (البریسه)، على السجین المبتدئ (أول لقطه) أن یبقى فی الانتظار (مول النوبه) لکی یفوز بمکان للنوم (مرکد) عندما یصل دوره، وقد یفقد دوره إما لأنه من فئه الفقراء (ولاد بنیکس) أو یبیع مکان نومه باتفاق مع المسؤول عن الغرفه (الکارد شومبری) لیحصل فی المقابل على زیاده فی نصیبه من الأکل (الصوبه) ومضاعفه رغیفه (شمولته)".
تبدو بعض کلمات هذه الفقره من کتاب "الدَّرّاس: السجن لغه معیشه وهویه"، غریبه عن اللغه العربیه الفصحى والعامیه المغربیه، لکنها مألوفه فی عالم السجون وبین نزلائها، إذ لا یمکن لأی شخص قادته الأقدار إلى هذا العالم إلا أن یتعلم هذه اللغه لیتواصل مع سکانه ویندمج فیه.
قصص مقترحه
list of 2 items فی هذا الکتاب الصادر فی یونیو/حزیران الماضی، یغوص الکاتب والناشط الحقوقی والمعتقل السیاسی السابق أحمد حو، فی الحیاه السجنیه استنادًا إلى تجربته الشخصیه، فقد قضى 16 سنه فی السجن بعدما حُکِم علیه بالإعدام بتهمه "المس بأمن الدوله"، إضافه إلى اعتماده على تجارب سجناء آخرین التقاهم أثناء عمله فی المجلس الوطنی لحقوق الإنسان مده 15 عاما، حیث أُسندت إلیه مهام زیاره السجون والاطلاع على أوضاعها وعلى أحوال السجناء فی إطار لجان مراقبه.
وبعد نشر کتابه الأول "عائد من المشرحه" عام 2022 الذی وثق تجربته فی الاعتقال، شرع حو فی تألیف کتاب جدید بشأن اللغه السجنیه، والغرض -کما أوضح للجزیره نت- هو المساهمه فی تشریح الوضعیه المزریه للسجون عبر فهم عقلیه مرتادیها للعمل على تصحیحها ووضع بدائل للعقوبات، وذلک عبر دراسه تحلیلیه لجوانب نفسیه مختلفه لمجتمعات السجون المغلقه.

الکاتب أحمد حو یحمل کتابه "الدَّرَّاس" (الجزیره) لغه رمزیه
یجد القارئ نفسه متغلغلًا فی تجربه السجن بدءًا من عنوان الکتاب "الدَّرَّاس"، فهذا المصطلح هو من أکثر التسمیات شیوعًا فی أوساط السجناء عن السجن، وهو مصطلح یختزل -وفق ما أوضح المؤلف- جوهر تجربه الاعتقال، إذ یحیل فی العامیه المغربیه إلى مسار من إعاده التشکیل، ینقل الذات من الجموح والتمرد إلى التکیف والخنوع.
وتکتمل هذه التجربه فی التبویب غیر المعتاد للکتاب، إذ تخلى عن الهیکل التقلیدی (الفصول والأبواب والفروع) لصالح معجم سجنی أصیل، فاستبدل الفصول بـ"الکریات" وهی أبواب الزنازین الحدیدیه، والأبواب بـ"الکیشیات" وهی کوات (فتحات) الأبواب المخصصه للمراقبه، بینما أطلق على الفروع اسم "الراسیونات" وتعنی بلغه السجن الحاجیات المخصصه لکل سجین.
بالنسبه للکاتب، فقد سعى من خلال هذه الهندسه إلى جعل القارئ یشعر وکأنه فی جوله حقیقیه فی السجون، یَعْبُر من خلالها الأبواب الحدیدیه ویدخل الزنازین، ویتعرف على الحیاه الحقیقیه داخلها بعیدًا عن لغه التقاریر الرسمیه والحقوقیه الجافه.
وفی هذا السیاق، قال أحمد حو للجزیره نت إن لغه السجن تعتمد على شیفرات وکلمات رمزیه یتداولها النزلاء للتواصل، ولیست هی تلک المستخدمه فی المحاکم وأقسام الشرطه وفی العالم الخارجی.
وأوضح أن هذه اللغه تتمیز بالدینامیه والتغیر، فبعض المصطلحات تتشکل فی ظروف معینه لتأخذ بعد مده شکلًا آخر فی محاوله مستمره لاستغفال الحراس، والحفاظ على سریه التواصل بین السجناء خوفًا من الوشاه المندسین بینهم.
فی المقابل تبقى بعض العبارات ثابته وتُستعمَل على الدوام بین السجناء وبینهم وبین الحراس.
وعلى عکس معاجم أُنجِزت فی عدد من الدول العربیه والغربیه للغه السجون، قال حو إن ما یمیز عمله "أنه لم یجعل الکلمات جافه وجامده، بل سعى لبعث الحیاه فیها عبر توظیفها فی حکایات واقعیه عن العلاقات الإنسانیه داخل الزنازین وأحوال السجناء، فضلًا عن رصد تجلیاتها فی الأغانی والأهازیج السجنیه والأمثال الشعبیه المتداوله داخل السجن، کشکل من أشکال المقاومه والاندماج والتکیف".
وقد حاول الکاتب تقریب القراء من حیاه السجین، منذ لحظه الاعتقال الأولى إلى حین دخوله الزنزانه وتعرفه على محیطه، والتراتبیه القائمه فیه، وقواعده والأعراف السائده، ومختلف الشرائح التی تمر علیه.
وأشار حو إلى الألقاب الشائعه فی تسمیه السجناء حسب أوضاعهم الاجتماعیه وطبائعهم وتجربتهم ومکانتهم فی السجن، فالسجین الذی دخل إلى السجن لأول مره یُطلَق علیه اسم "الباجدی" و"أول لقطه"، أما السجین القادم من القرى فیُطلَق علیه "الهرکاوی"، کما یُسمَّى السجین الخبیث "المساوسی"، أما السجین المعروف بوشایاته فیُطلَق علیه اسم "زقزق" أو "العطای".
وکما للسجناء تسمیات خاصه حسب صفاتهم، یُطلَق على أنواع الجرائم أسماء لا یعرفها إلا ساکنو السجون، ولا علاقه تربطها بتلک المتداوله فی کتب القانون ومحاضر الشرطه وأحکام القضاه.
ولا یکتفی المؤلف بشرح هذه الکلمات بل یحکی قصصًا واقعیه عن تلک الشخصیات وصراعاتها کما عاشها أو رُویَت له من سجناء آخرین، کما یحکی قصصًا عن "الفراقشیه" أولئک الذین تورطوا فی سرقه المواشی، وعن "الباطوات" وهم کبار تجار المخدرات، وعن "رزام بالحمر" أی سارقی الذهب، وغیرهم من المجرمین.
وإلى جانب ذلک، یعرض الکتاب الأسماء التی تُطلَق على إداره السجن والعاملین به والتغذیه داخله وظروف الإیواء وأنواع المخدرات والممنوعات وغیرها.

الکاتب أحمد حو (الجزیره) هویه مشترکه
المؤلف أحمد حو قال إن اللغه المحکیه لیست وحدها أسلوب المساجین للتعبیر عن هویتهم المشترکه، بل تُعد الأغانی والأوشام والأمثال الشعبیه من أشکال بناء هذه الهویه وتأسیس الحیاه المشترکه.
وتُنتَج الأغنیه السجنیه أو "البیضانسیه" کما یُطلِق علیها المساجین فی الغالب داخل السجون من طرف السجناء القدامى سواء إنتاجًا کاملًا، أو یغیرون کلمات أغانٍ شعبیه معروفه بأخرى من لغه السجون.
وتنتقل هذه الأغانی مشافهه من سجن لآخر، وتتنوع مواضیعها بین هموم وأحزان السجناء وحنینهم لأمهاتهم وأسرهم، ووصف مراحل اعتقالهم وظروف العیش السیئه داخل الزنازین.
وتنتشر بین السجناء عده أغانٍ من الرای والراب وفن العیطه وأغانی الألتراس، ورغم أن هذه الأغانی لم تُنتَج داخل السجون فإن لها شعبیه وتداولًا کبیرًا بینهم لکونها تعبر عن مآسی السجناء وعما یختلج فی نفوسهم من حزن وآلام وشعور بالعزله والهجر مع توق شدید للحریه.
وأشار حو إلى أن أغنیه "ابعث لی جواب وطمنی" للفنان صباح فخری لها انتشار واسع داخل السجون المغربیه، وهی من الأغانی التی تذرف الدموع عند سماعها خصوصًا من السجناء المحکوم علیهم بمدد طویله أو الذین تخلى عنهم الأهل والأصدقاء.
کما أوضح حو أن الوشم مثله مثل اللغه السجنیه، یُعَد من مکونات العقلیه السجینه إذ یتلاقى مع اللغه فی کونه وسیله للتعبیر والتواصل، ویستخدمه فی الغالب سجناء الحق العام بغایه إبراز القوه والتعبیر عن الدواخل والمکبوتات المخالفه للأخلاق والدین والقانون، التی قد لا یستطیعون التعبیر عنها بالکلام.
وفی هذا الصدد أشار إلى أن الرسوم التی یضعها السجناء على أجسادهم داخل السجن لا تخضع لأی جمالیه وإنما هی رسائل یسعى المساجین لإرسالها للآخرین بغرض التخویف وإبعاد الخصوم أو للتعبیر عن مشاعر الفقد والأمل والقوه وغیرها.
واختُتِم الکتاب بقاموس یتضمن عبارات ومفردات من السجن المغربی، ثم 5 نماذج عربیه وغربیه للمقارنه، وقد مکنت هذه المقارنه الکاتب من استنتاج أن العقلیه السجنیه التی تعیش ظروفًا متشابهه مثل سوء المعامله والاکتظاظ وسوء التغذیه ، تنتج نفس المعانی والمسلکیات والهواجس والمقاصد وإن اختلفت اللغه والأماکن.
وخلص حو إلى أن القواعد المفروضه من إدارات السجون لیست هی الباعث الوحید لإنتاج هذه اللغه وتداولها، بل إن السجناء أنفسهم هم من یبتکرون قواعدهم الخاصه ولغتهم وأغانیهم وأمثالهم التی تعبر عن حیاتهم وتجسد معاناتهم وظروف حیاتهم الجدیده وحالاتهم النفسیه وتساعدهم على تدبیر وقتهم فی عالمهم المغلق.
المصدر: الجزیره