وکاله آریا للأنباء - شرکات الذکاء الاصطناعی تعتمد على جمع کمیات کبیره من البیانات المنشوره على الإنترنت لتدریب نماذجها وتطویر خدماتها (شترستوک)
أصبح المحتوى المنشور على الإنترنت جزءا من البنیه التی تعتمد علیها شرکات الذکاء الاصطناعی لتطویر نماذجها وتقدیم إجابات عن أسئله المستخدمین، لکن هذا الاستخدام یثیر خلافا حول الحدود الفاصله بین إتاحه المعلومات للجمهور وامتلاک الحق فی نسخها أو استخدامها تجاریا.
ولا یتعلق الجدل بقدره الشرکات التقنیه على الوصول إلى صفحات الویب فحسب، بل أیضا بحقوق أصحاب المحتوى، وآلیات تعویضهم، ومدى تأثیر الخدمات الجدیده فی اقتصاد الصحافه الرقمیه.
کیف تجمع شرکات الذکاء الاصطناعی البیانات؟
تعتمد عملیه تطویر نماذج الذکاء الاصطناعی على مجموعات کبیره من البیانات النصیه وغیرها، تعالج لاستخلاص الأنماط والعلاقات التی تساعد النماذج على إنتاج إجابات، ومن الوسائل المستخدمه فی جمع محتوى الإنترنت برامج الزحف الآلی، التی تنتقل بین الصفحات والروابط وتستخرج النصوص والبیانات المتاحه، قبل أن تخضع المواد لعملیات التنظیف والتنظیم والمعالجه.
وتوضح شرکه أوبن إیه آی ، فی شرحها الرسمی لنهجها فی التعامل مع البیانات، أن مصادر تطویر النماذج تشمل المعلومات المتاحه علنا على الإنترنت، والبیانات التی تحصل علیها عبر شراکات مع جهات أخرى، والمعلومات التی یقدمها المستخدمون أو المدربون ضمن الشروط ذات الصله. ویعنی تنوع المصادر أن جمع البیانات لا یتم بالضروره بالطریقه نفسها لدى جمیع الشرکات أو فی جمیع مراحل تطویر النماذج.

عملیات جمع البیانات تثیر خلافات قانونیه بین شرکات التقنیه والناشرین حول حقوق النشر وشروط الاستخدام (غیتی) لکن الوصول التقنی إلى صفحه منشوره لا یحسم وحده مسأله الحق القانونی فی استخدامها، فإمکانیه قراءه مقال صحفی دون اشتراک، مثلا، لا تعنی بالضروره أن صاحبه تنازل عن حقوق النشر أو أذن بإعاده استخدامه فی أی غرض تجاری.
هل المحتوى العام متاح للتدریب دون إذن؟
تختلف الإجابه بحسب القانون المعمول به، وطبیعه الماده، وطریقه استخدامها، والظروف المحیطه بها، ففی الولایات المتحده ، تخضع بعض الاستخدامات لمبدأ الاستخدام العادل، الذی یتطلب تقییما قانونیا یأخذ فی الاعتبار عوامل متعدده، منها الغرض من الاستخدام وطبیعته، وطبیعه العمل المحمی، وحجم الجزء المستخدم، وتأثیر الاستخدام فی السوق المحتمله للعمل الأصلی.
وقد خصص مکتب حقوق النشر الأمریکی جزءا من دراسته الرسمیه للذکاء الاصطناعی لمسأله تدریب النماذج على المواد المحمیه بحقوق النشر، فی إشاره إلى أن المسأله تتضمن أسئله قانونیه وسیاساتیه لا تختزل فی کون المحتوى متاحا للجمهور، ولا یعنی ذلک أن کل استخدام للتدریب غیر قانونی، أو أن جمیع هذه الاستخدامات مشموله تلقائیا بالاستخدام العادل؛ إذ یتوقف الحکم على تفاصیل کل حاله والقانون المنطبق علیها.
وتزداد المسأله تعقیدا عندما یتعلق الأمر بالمقالات الصحفیه والصور والأرشیفات المدفوعه، أو عندما تستخدم أنظمه الذکاء الاصطناعی مواد محمیه فی تقدیم ملخصات أو إجابات قد تغنی بعض المستخدمین عن زیاره المصدر الأصلی. وهنا یتداخل سؤال قانونیه جمع البیانات مع سؤال المنافسه الاقتصادیه وتأثیر الاستخدام فی قیمه العمل الصحفی.
النزاع القانونی بین شرکات التقنیه والناشرین
یتخذ الخلاف مسارین متداخلین، الأول یتعلق بحق استخدام المواد المحمیه فی تدریب النماذج، والثانی یتعلق بکیفیه عرض المحتوى الناتج عن هذه النماذج، ومدى تأثیره فی المصالح التجاریه للناشرین.
وفی تطور یعکس استمرار النزاع، أفادت وکاله رویترز قبل أیام بانضمام مؤسسات إعلامیه، بینها نیویورک تایمز ووکاله الصحافه الفرنسیه ومجله إیکونومیست، إلى تحالف یهدف إلى وضع معاییر تقنیه لمراقبه استخدام شرکات الذکاء الاصطناعی للمحتوى وتسهیل الترخیص له، وأشارت الوکاله أیضا إلى دعاوى رفعتها مؤسسات صحفیه ضد شرکات تقنیه، من بینها دعوى تتهم أوبن إیه آی بانتهاک حقوق النشر. وهذه اتهامات ومطالبات قانونیه، ولیست فی حد ذاتها أحکاما قضائیه نهائیه.
فی المقابل، تتجه بعض الشرکات والناشرین إلى اتفاقیات تجاریه بدلا من حسم جمیع الخلافات عبر المحاکم، حیث أفادت رویترز أیضا بانضمام سی إن إن وفایننشال تایمز وأکسیوس وناشرین آخرین إلى برنامج أخبار الذکاء الاصطناعی من غوغل، الذی یتیح استخدام محتواهم فی میزات تولیدیه مقابل مدفوعات، مع إتاحه الإسناد والروابط المباشره إلى المصادر. ولم تُعلن الشروط المالیه للاتفاقیات.
وتوضح هذه الاتفاقیات أن الترخیص قد یشکل مسارا تجاریا لتنظیم الاستخدام، لکنه لا یثبت وحده أن کل استخدام غیر مرخص مخالف للقانون، کما لا یعنی أن کل اتفاق یغطی جمیع أنواع الاستخدام أو جمیع المواد المنشوره.

مؤسسات إعلامیه تسعى إلى إبرام اتفاقیات ترخیص تضمن تعویضها المالی مقابل استخدام موادها فی خدمات الذکاء الاصطناعی (شترستوک) کیف یحمی الناشرون محتواهم؟
تتیح الأدوات التقنیه لأصحاب المواقع تحدید کیفیه تعامل بعض برامج الزحف مع صفحاتهم. وتشرح غوغل أن الناشرین یستطیعون استخدام الرمز (Google-Extended) فی ملف (robots.txt) للتحکم فی استخدام المحتوى الذی تزحفه الشرکه لتدریب الإصدارات المستقبلیه من نماذج جمینای، أو للاستناد إلیه فی بعض خدماتها، وتوضح الشرکه أن هذا الرمز لا یؤثر فی ظهور الموقع ضمن نتائج بحث غوغل.
لکن هذه الآلیات لیست بدیلا عن التنظیم القانونی، فهی تعتمد على کیفیه تعرف الأنظمه الآلیه إلى التعلیمات والتزامها بها، کما أن منع الزحف قد یحد من استخدامات مرغوبه لدى بعض الناشرین، مثل إظهار موادهم فی خدمات تجلب زیارات جدیده.
ومن الحلول المطروحه أیضا نموذج الدفع مقابل الزحف، فقد أعلنت شرکه کلاودفلیر سابقا تطویر آلیه تتیح لأصحاب المواقع السماح لبرامج ذکاء اصطناعی معینه بالوصول إلى محتواهم مجانا، أو حجبها، أو طلب مقابل مالی عن کل عملیه جلب ناجحه، وتقدم الشرکه هذه الآلیه باعتبارها وسیله لمنح أصحاب المحتوى خیارات أوسع، لکن تطبیقها على نطاق واسع یتوقف على تبنی الناشرین ومشغلی برامج الزحف لها.
هل تهدد الإجابات المباشره اقتصاد الصحافه؟
لا یتوقف أثر الذکاء الاصطناعی على تدریب النماذج، فالإجابات والملخصات التی تظهر داخل محرکات البحث وروبوتات المحادثه قد تمنح المستخدم المعلومات المطلوبه دون الحاجه إلى فتح المقال الأصلی، وإذا تراجعت الزیارات، فقد تتأثر الإیرادات الإعلانیه وفرص تحویل القراء إلى مشترکین، خصوصا لدى المؤسسات التی تعتمد على حرکه البحث للوصول إلى جمهورها.
وتدعم دراسه معهد رویترز لدراسه الصحافه لعام 2025 وجود مخاوف من هذا التحول، إذ وجدت أن 54% من المشارکین فی الدول الست التی شملها البحث شاهدوا إجابات بحث مولده بالذکاء الاصطناعی خلال الأسبوع السابق، وأن عددا من المستخدمین لا ینتقلون إلى الروابط المصدریه عند ظهور هذه الإجابات. ومع ذلک، لا تکفی هذه النتائج وحدها لإثبات أن الذکاء الاصطناعی تسبب فی تراجع شامل للزیارات أو الإیرادات لدى جمیع المؤسسات الإعلامیه؛ فالأثر یختلف باختلاف السوق ونوع المحتوى وطریقه عرض الروابط.

الإجابات المباشره التی تقدمها روبوتات المحادثه قد تؤدی إلى تقلیل حاجه المستخدمین إلى زیاره المواقع الأصلیه للحصول على المعلومات (شترستوک) مستقبل العلاقه بین الصحافه والذکاء الاصطناعی
تتجه العلاقه بین الطرفین إلى مزیج من التقاضی واتفاقیات الترخیص ومحاولات تطویر معاییر تقنیه لتتبع الاستخدام، وقد یساعد توسیع الاتفاقیات المدفوعه على توفیر دخل إضافی لبعض المؤسسات، لکنه یثیر أسئله حول قدره الناشرین الصغار والمستقلین على التفاوض بشروط مماثله لشروط الناشرین الکبار.
وفی المحصله، لا توجد إجابه واحده عن سؤال من یملک محتوى الإنترنت أو من یحق له استخدامه فی تدریب الذکاء الاصطناعی، فذلک یتوقف على حقوق الماده والقانون المنطبق وشروط الترخیص وطبیعه الاستخدام.
لکن التحدی الأوسع یتمثل فی إیجاد نموذج یتیح تطویر التقنیه مع حمایه حقوق المنتجین، ویضمن أن تظل الصحافه قادره على تمویل التحقیقات والتغطیه المیدانیه وإنتاج معلومات موثوقه، فاستدامه المحتوى الرقمی لا تتطلب تنظیم الوصول إلیه فحسب، بل أیضا إیجاد توازن اقتصادی یحافظ على الحافز لإنتاجه.
المصدر: الجزیره + وکالات