وکاله آریا للأنباء - آلات الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى تمثل إحدى أهم حلقات إنتاج الرقاقات المتقدمه (إیه إس إم إل)
فی الوقت الحالی، تقف صناعه الرقاقات أمام إحدى أهم نقاط الاختناق التقنیه، وهی تصنیع آله "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" (EUV) المستخدمه تجاریا على نطاق واسع والتی تحتکر الشرکه الهولندیه "إیه إس إم إل" (ASML) صناعتها.
وتؤدی هذه المنظومه الصناعیه الضخمه، التی تجمع اللیزر والبصریات والفیزیاء والبرمجیات والتحکم المیکانیکی الدقیق، دورا أساسیا فی إنتاج أحدث أجیال الرقاقات من خلال طباعه الترانزستورات على الرقاقات بدقه تسمح بوضع الملیارات منها على رقاقه سیلیکون لا یتجاوز قطرها 30 سنتیمترا.
کیف یطبع الضوء دائره إلکترونیه؟
اعتمدت صناعه أشباه الموصلات على تقنیه "الطباعه الحجریه" (Lithography) من أجل نقل أنماط الدوائر الإلکترونیه من القناع إلى الماده الحساسه للضوء التی تغطی رقاقه السیلیکون باستخدام الضوء.
وفی خمسینیات القرن العشرین، حاول المصنعون الأوائل للرقاقات رسم أنماط الدوائر الإلکترونیه یدویا، لکن أی تلامس مادی مع الرقاقه السیلیکونیه کان یؤدی إلى خدشها أو تلویثها أو تشویه النمط المرسوم علیها، فیما ساعد الضوء فی طباعه أنماط متطابقه دون الحاجه إلى أی تلامس مادی مع الرقاقه.
وفی عملیه "الطباعه الحجریه"، یسلط الضوء عبر نمط دقیق على الرقاقه الرقیقه من ماده السیلیکون المطلیه بماده کیمیائیه حساسه للضوء، حیث تتفاعل تلک الماده عند تعرضها للضوء، مما یؤدی إلى تلیین المناطق المعرضه للضوء.

الطباعه الحجریه تستخدم الضوء لنقل أنماط الدوائر إلى طبقه حساسه على رقاقه السیلیکون ضمن مراحل تصنیع متعدده (بیکسلز) وتُزال تلک المناطق اللینه کاشفه عن طبقه السیلیکون الموجوده تحتها، مع نقل الرقاقه إلى جهاز لحفر النمط المطلوب فی السیلیکون المکشوف وملء الفراغات المحفوره بمعادن من أجل ربط الترانزستور بمصدر الطاقه، مع جمع هذه الطبقات المحفوره معا لتشکل شبکه معقده من الترانزستورات.
ومع مرور الوقت، طورت منظومه تصنیع أشباه الموصلات تقنیات حفر أکثر تطورا، معتمده على أطوال موجیه ضوئیه أصغر فأصغر، حیث یساعد قصر موجه الضوء، إلى جانب تحسین البصریات والعملیه التصنیعیه، فی طباعه أنماط أدق، وزیاده کثافه العناصر، بما یتیح تحسین الأداء وکفاءه الطاقه.
واعتمدت الصناعه لسنوات طویله على تقنیه ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه العمیقه" (DUV) بطول موجی قدره 193 نانومتر، التی أتاحت إمکانیه إنشاء تفاصیل بدقه 22 نانومتر، لکن الاعتماد على هذه التقنیه وحدها من أجل تصغیر الأنماط یرفع عدد الخطوات ویزید التعقید والتکلفه.
وهنا جاء دور "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى" بطول موجی قدره 13.5 نانومتر، أی أقصر بنحو 14 مره من طول موجه "الأشعه فوق البنفسجیه العمیقه"، والتی استغرقت "إیه إس إم إل" قرابه عقدین لتطویرها قبل أن یبدأ الإنتاج التجاری الکمی للرقاقات المصنعه باستخدامها عام 2019.
وأصبحت المصانع تستخدم "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" فی الطبقات الأشد تعقیدا من المعالجات والذاکرات المتقدمه.
فیزیاء الضوء على مستوى النانومتر
یبدأ التعقید من مصدر الضوء نفسه، حیث تعتمد "إیه إس إم إل" على تقنیه تعرف باسم "البلازما الناتجه عن اللیزر" (LPP) لتولید ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى".
وفی هذه العملیه، تقذف الآله 50 ألف قطره صغیره فی الثانیه من القصدیر المنصهر لتضرب کل قطره نبضتین لیزریتین منفصلتین، حیث تعمل النبضه الأولى على تشکیل قطره القصدیر، بینما تتولى النبضه الثانیه تولید البلازما التی تصدر ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى" بطول موجی 13.5 نانومترا.

ضوء الأشعه فوق البنفسجیه القصوى یتولد عبر بلازما القصدیر مع توجیهه داخل فراغ باستخدام مرایا متعدده الطبقات (بیکسلز) لکن هذا الضوء لا یمر عبر الهواء أو الزجاج العادی لأنه یُمتص بسرعه، لذلک ینتقل داخل نظام فراغ عال، وینعکس على سلسله من المرایا الفائقه الدقه بدلا من العدسات من أجل نقل النمط عبر قناع عاکس إلى الطبقه الحساسه للضوء بدقه عالیه.
ویکتمل المشهد بتفاصیل أخرى، مثل الحد من تلوث المرایا، وأنظمه التبرید للحفاظ على ثبات الحراره، وضبط حرکه أقراص السیلیکون وسرعتها، والتحکم فی الاهتزاز، حیث قد تؤدی الاضطرابات فی الحراره والمحاذاه والاهتزاز إلى خفض جوده الطباعه والإنتاجیه.
احتکار تصنعه شبکه شرکات
رغم أن "إیه إس إم إل" هی الشرکه الوحیده التی تبیع آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" التجاریه، فإنها تجمع خبراتها مع خبرات شرکات تابعه وشرکاء متخصصین لإنتاجها، ویصعب هذا التشابک استنساخها مقارنه باستنساخ منتج إلکترونی استهلاکی.
وتعد "کارل زایس" (Carl Zeiss) المزود الوحید للبصریات فی المنظومه، إذ تورد مرایا تضم طبقات رقیقه متناوبه مصممه لتعزیز انعکاس الضوء مع المحافظه على شکلها الهندسی.

کارل زایس تتولى البصریات، وتشارک سایمر فی مصدر الضوء، فیما تطور ترامبف منظومه اللیزر العالی القدره (بیکسلز) وتنتج "کارل زایس" أنظمتها البصریه عبر عقود من البحث فی علم المواد والطلاءات النانومتریه والقیاس الضوئی والتصنیع فی بیئات نظیفه، حیث تؤثر عیوب السطح والطلاء فی الضوء المتاح وجوده الصوره.
فی حین تعد "سایمر" (Cymer) مساهمه فی تسریع تطویر مصدر ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى" عبر تطویرها القدره على تولید إشعاع 13.5 نانومتر بکفاءه کافیه للاستخدام الصناعی.
ویأتی اللیزر الذی یضرب قطرات القصدیر من "ترامبف" (Trumpf)، التی تطور لیزرات ثانی أکسید الکربون العالیه الطاقه لهذا الغرض.
لماذا لا یکفی تفکیک الآله؟
معرفه المبدأ الفیزیائی لا تکفی لبناء نظام صناعی منافس، حیث استغرقت "إیه إس إم إل" وشرکاؤها أکثر من عقدین لتطویر التقنیه مع إنفاق أکثر من 6 ملیارات یورو (نحو 6.5 ملیارات دولار) خلال 17 عاما.
وهذه الآله لیست منتجا من شرکه واحده، إذ تأتی التقنیات والمکونات من شبکه من الشرکات والموردین المختلفین العابرین للقارات.
وتظهر محاوله نسخ آله بهذه الدرجه من التعقید وجود مئات التفاصیل الصغیره، من حراره المرایا إلى معایره المصدر، حیث لا تختزل المخططات وحدها الخبره اللازمه لتصنیع المکونات وضبطها وتشغیلها.

کشف المکونات لا یضمن وحده إعاده إنتاج الأداء الصناعی، إذ تتطلب المعایره وتکامل الأنظمه ومردود التصنیع خبره متراکمه (بیکسلز) وقد تکشف الهندسه العکسیه التصمیم الداخلی والخارجی وبعض المواد والمکونات والبرمجیات، لکنها لا تضمن استعاده جمیع معارف التصنیع والمعایره. ونتیجه لذلک، فإن تفکیک الآله لا یکفی لإعاده بنائها.
کما قد تختصر الهندسه العکسیه بعض خطوات البحث، لکنها لا تلغی تحدیات التکامل والتصنیع. وحتى لو استطاعت دوله ما تفکیک آله کامله، فإن ذلک لا یضمن إتقان تصنیع بدیل لها أو تشغیلها بتکلفه منافسه.
وتظهر التکلفه الحقیقیه لهذه المنظومه الصناعیه المتکامله فی عقود من البحث والتطویر، وأنظمه البرمجیات والتحکم، وخدمات الصیانه، وسلاسل التورید.
ونتیجه لذلک، فإن المصنع الذی یشتری الآله یشتری علاقه تقنیه طویله الأمد مع "إیه إس إم إل" وشرکائها، لأن تشغیلها یعتمد على دعم وخبره وصیانه مستمره.
هدف یتحرک باستمرار
لم تکتف "إیه إس إم إل" بالسیطره على آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى"، إنما واصلت سباقها عبر تطویر آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى ذات الفتحه العددیه العالیه" (High-NA EUV).
وتعمل آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" المنتشره الیوم بفتحه عددیه 0.33، فی حین ترفعها آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى ذات الفتحه العددیه العالیه" إلى 0.55، الأمر الذی یرفع قدره البصریات على جمع الضوء وترکیزه من نطاق زاوی أوسع لتحسین الدقه.

یرفع الجیل الجدید الفتحه العددیه من 0.33 إلى 0.55، مما یسمح بتصویر تفاصیل أدق مقابل نظام بصری أکبر وأکثر تعقیدا (إیه إس إم إل) وتمثل آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى ذات الفتحه العددیه العالیه" نقله نوعیه تتیح للمصانع طباعه تفاصیل أکثر دقه، ومضاعفه کثافه الترانزستورات، ودعم عقد التصنیع التی تقل عن 2 نانومتر.
لکن هذا التطور یأتی بتکلفه مرتفعه، حیث إن الانتقال إلى فتحه عددیه أعلى یستلزم تصمیما بصریا مختلفا، ومرایا أکبر وأکثر تعقیدا، وأنظمه إضاءه وإسقاط جدیده، إلى جانب متطلبات أشد للقیاس والمحاذاه والتحکم الحراری.
الصین بین النموذج والمصنع
تقود "شنغهای آیشینغنا لتکنولوجیا الإلکترونیات" (Shanghai Aishengna Electronic Technology) جهودا لإنتاج آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه العمیقه الغامره" (immersion DUV) المصنوعه محلیا.
وتخطط الشرکه المملوکه للدوله لتصنیع 5 آلات من هذا النوع هذا العام و 20 آله عام 2027، مقابل 131 آله من الفئه نفسها لشرکه "إیه إس إم إل" عام 2025.
وفی دیسمبر/کانون الأول 2025، نشرت "رویترز" تقریرا استقصائیا تحدث عن بناء الصین نموذجا أولیا لآله "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى".
ووفقا للتقریر، فقد استطاع النموذج تولید ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى"، لکنه لم ینتج رقاقات عامله فی ذلک الوقت.

خطط المعدات المحلیه ومحاولات بناء نموذج تکشف عن تقدم فی تطویر المعدات، لکنها لا تثبت بعد الوصول إلى إنتاج تجاری (بیکسلز) فی حین أفاد تحلیل نشرته مجله "ذا دبلومات" (The Diplomat) بأن معاهد صینیه أحرزت تقدما فی أبحاث مصدر الضوء ونماذجه الأولیه، لکنه شدد على أن التحدی یشمل المواد الحساسه للضوء العالیه النقاء والوصول إلى قدره کافیه للإنتاج التجاری.
وتوضح "رویترز" أن الصین تهدف إلى إنتاج النموذج لرقاقات عامله بحلول عام 2028، بینما رأت مصادر قریبه من المشروع أن عام 2030 أکثر واقعیه.
وتسعى الصین إلى تجاوز غیاب آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" عبر استخدام آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه العمیقه" من أجل إنتاج الرقاقات المتقدمه.
وتعتمد فی ذلک على تقنیات تعدد الأنماط، أی توزیع النمط على خطوات إضافیه، لکن هذه الطریقه ترفع التکلفه وتطیل زمن التصنیع وتزید احتمالات العیوب.
وتظهر هذه التفاصیل الفرق الجوهری بین تولید ضوء "الأشعه فوق البنفسجیه القصوى" وتصنیع الرقاقات بواسطته، حیث إن الفارق بین الحالتین هو الفارق بین إشعال مصدر ضوء فی المختبر وبناء نظام متکامل یعمل لساعات طویله بإنتاجیه عالیه وبنسبه عیوب منخفضه.
الصیانه تدخل معرکه القیود
منذ عام 2019، لم تحصل صادرات آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" إلى الصین على التراخیص اللازمه، تحت ضغط أمریکی بدأ فی الإداره الأولى للرئیس الأمریکی دونالد ترمب ، واستمر وتکثف فی السنوات اللاحقه.
وتوسعت ضوابط تصدیر لتشمل نماذج متقدمه من آلات "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه العمیقه الغامره"، مما یحد من قدرات الصین على توسیع إنتاج الرقاقات المتقدمه بکفاءه.
ویؤدی تقیید الصیانه والقطع بمرور الوقت إلى تراجع الجاهزیه والإنتاجیه، حیث تحتاج الآلات إلى فحص دوری، وقطع استهلاکیه، وتحدیثات برمجیه، ومهندسین متخصصین.
وفی عام 2024، أوضحت الحکومه الهولندیه أن الشرکه بحاجه إلى ترخیص لتوفیر قطع الغیار وتحدیثات البرمجیات لمعدات تصنیع الرقاقات الإلکترونیه التی باعتها سابقا لعملاء صینیین.
فیما بدأ الکونغرس الأمریکی فی العام الحالی مناقشه مشروع قانون یسمى "ماتش" (MATCH) یهدف إلى تشدید الرقابه على تصدیر معدات وأدوات تصنیع أشباه الموصلات المتقدمه إلى الصین.
ختاما، تجسد آله "الطباعه الحجریه بالأشعه فوق البنفسجیه القصوى" منظومه معرفیه وهندسیه وصناعیه متکامله، تتضافر فیها البصریات ومصادر الضوء وأنظمه الحرکه والقیاس والتحکم، إلى جانب شبکه موردین وخبرات تراکمت على مدى عقود.
وقد تتقدم الصین فی بناء بدائل محلیه، لکن تحویل نموذج أولی إلى آله ذات إنتاجیه تجاریه یظل تحدیا یتجاوز قدرات الهندسه العکسیه المباشره. ومن هنا یصبح التحکم فی هذه الآلات عنصرا من عناصر النفوذ فی سباق أشباه الموصلات العالمی.
المصدر: الجزیره + وکالات