وکاله آریا للأنباء - أسعار العقارات الأمریکیه ارتفعت بشکل کبیر (رویترز)
لم یعد امتلاک منزل فی الولایات المتحده ، هدفا یسهل بلوغه بمجرد الحصول على وظیفه مستقره ودخل منتظم. فمع ارتفاع أسعار العقارات وفوائد القروض وتکالیف المعیشه، یجد ملایین الأمریکیین، خصوصا الشباب وأبناء الطبقه الوسطى، أنفسهم مضطرین إلى تأجیل حلم التملک، بعدما أصبحت تکلفه شراء منزل تتجاوز قدراتهم على الادخار والاقتراض.
وتکشف الأرقام حجم هذا التحول، إذ بلغ السعر الوسیط للمنازل القائمه المبیعه 417 ألفا و500 دولار فی سبتمبر/أیلول 2026، وفق الرابطه الأمریکیه للوسطاء العقاریین.
ومع اقتراب انتخابات التجدید النصفی للکونغرس، المقرره فی 3 نوفمبر/تشرین الثانی، تتحول أزمه السکن إلى اختبار سیاسی جدید، وسط تساؤلات عن قدره الجمهوریین والدیمقراطیین على إعاده حلم التملک لیصبح فی متناول جیل یواجه صعوبه متزایده فی تحقیق أحد أهم مقومات الاستقرار الاقتصادی.
ارتفاع أسعار العقارات
اتسعت الفجوه بین أسعار المنازل ودخول الأسر الأمریکیه خلال السنوات الأخیره، مما جعل امتلاک مسکن أکثر صعوبه، خصوصا بالنسبه إلى المشترین لأول مره.
ورغم تباطؤ ارتفاع الأسعار إلى 1.3% على أساس سنوی فی سبتمبر/أیلول 2026، فإن السعر الوسیط للمنازل القائمه المبیعه سجل أعلى مستوى فی شهر سبتمبر/أیلول على الإطلاق، وفق الرابطه الأمریکیه للوسطاء العقاریین.
وتکشف المقارنه مع السنوات السابقه حجم التحول، إذ ارتفعت أسعار المنازل القائمه بنسبه 54% منذ عام 2020، لتقترب قیمتها من خمسه أضعاف متوسط الدخل الأسری، مقابل نحو ثلاثه أضعاف هذا الدخل خلال تسعینیات القرن الماضی، بحسب تقریر "حاله الإسکان فی الولایات المتحده 2026" الصادر عن جامعه هارفارد .
وفی المقابل، بلغ متوسط الدخل الأسری 87 ألفا و460 دولارا سنویا عام 2025، وفق مکتب الإحصاء الأمریکی، وهو مستوى یقل کثیرا عن الدخل المطلوب لتحمل تکالیف شراء منزل متوسط السعر.

زیاده الفجوه بین أسعار العقارات ومتوسط الدخل فی أمریکا (رویترز) وحسب حسابات جامعه هارفارد، ارتفعت التکلفه الشهریه المقدره لامتلاک المنزل فی المتوسط من نحو 1700 دولار مطلع عام 2020 إلى 3100 دولار بنهایه 2025، بینما قفز الدخل السنوی اللازم لتحملها من 66 ألف دولار إلى أکثر من 120 ألف دولار، وفق الافتراضات المعتمده فی الدراسه.
وهکذا، اتسعت الفجوه بین من اشتروا منازلهم قبل موجه الغلاء واستفادوا من ارتفاع قیمتها، وبین المشترین الجدد الذین أصبحوا مطالبین بمدخرات أکبر ودخول أعلى، فی وقت تزید فیه فوائد القروض العقاریه من صعوبه تحقیق حلم التملک.
فوائد القروض.. التزام مالی ثقیل
وإلى جانب ارتفاع أسعار العقارات، ضاعفت فوائد القروض من صعوبه امتلاک منزل فی الولایات المتحده، حتى بالنسبه إلى الأسر التی نجحت فی ادخار الدفعه الأولى اللازمه لشراء منزل.
وبلغ متوسط الفائده على القروض العقاریه الثابته لمده 30 عاما نحو 7.32% فی 22 أکتوبر/تشرین الأول 2026، وفق مؤسسه "فریدی ماک"، مقابل 7.40% قبل أسبوع، و6.19% قبل عام، ومتوسط سنوی لم یتجاوز 2.96% عام 2021.
وتتضح تکلفه هذا التحول لدى أسره ترغب فی شراء منزل بقیمه 400 ألف دولار، وتدفع مثلا 80 ألف دولار مقدما، لتقترض المبلغ المتبقی البالغ 320 ألف دولار. فعند فائده ثابته تبلغ 3%، یصل القسط الشهری إلى نحو 1349 دولارا، لکنه یقفز إلى 2198 دولارا عند فائده 7.32%، أی بزیاده تتجاوز 10 آلاف دولار سنویا، دون احتساب الضرائب والتأمین والصیانه.
وعلى مدى 30 عاما، یرتفع إجمالی فوائد هذا القرض من نحو 166 ألف دولار إلى 471 ألف دولار، بفارق یتجاوز 305 آلاف دولار، مما یجعل المنزل أکثر تکلفه رغم ثبات سعر شرائه.
وترتبط فوائد الرهون العقاریه بالسیاسه النقدیه وتوقعات التضخم وعوائد سندات الخزانه الأمریکیه الطویله الأجل، ولذلک لا یؤدی خفض الاحتیاطی الفدرالی لسعر الفائده الأساسی بالضروره إلى انخفاض مماثل فی تکلفه القروض العقاریه.
ومن ثم، لا یواجه المشترون الجدد ارتفاع أسعار المنازل فقط، بل تکلفه تمویل قد تضیف مئات آلاف الدولارات إلى ثمن المنزل خلال العقود الثلاثه اللازمه لسداد القرض.
جیل یعمل لکنه یؤجل امتلاک مسکن
وتبدو أزمه السکن أشد وطأه على الأجیال الجدیده، وفی مقدمتها جیل زد ، الذی یواجه ارتفاع أسعار العقارات والإیجارات وأعباء الدیون الدراسیه لدى بعض أفراده، مما یصعب علیه ادخار المبالغ اللازمه لشراء منزل، مقارنه بأجیال سابقه استفادت من أسعار أقل وقروض منخفضه التکلفه.
وحسب تقریر للرابطه الأمریکیه للوسطاء العقاریین، صدر فی أبریل/نیسان 2026، لم یشکل أبناء جیل زد سوى 4% من إجمالی مشتری المنازل، مقابل 42% لأجیال أکبر عمرا، و26% لجیل الألفیه.

ملایین الشباب أصبحوا مجبرین على تأجیل حلم امتلاک مسکن (رویترز) وتتضح صعوبه دخول السوق فی تراجع حصه المشترین لأول مره إلى 21%، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجیل البیانات عام 1981، وفق مسح للرابطه نشر فی نوفمبر/تشرین الثانی 2025، وکشف ارتفاع العمر الوسیط للمشتری لأول مره إلى 40 عاما، بعدما کان فی أواخر العشرینیات خلال ثمانینیات القرن الماضی.
لم تعد الأزمه تقتصر على تأجیل التملک، بل امتدت إلى الاستقلال السکنی نفسه. فبحسب دراسه لجامعه هارفارد نشرت فی أغسطس/آب 2026، تراجعت نسبه الشباب بین 18 و34 عاما الذین لدیهم سکن مستقل من 33.3% عام 2023 إلى 32.7% عام 2024.
وهکذا، یجد بعض الشباب أنفسهم مضطرین إلى البقاء مع أسرهم أو الاشتراک فی سکن مع آخرین لتقلیص النفقات، بینما یؤدی تأخر شراء المنزل إلى تقلیص السنوات المتاحه لتکوین ثروه عقاریه، مما یعمق الفجوه بینهم وبین الأجیال التی سبقتهم إلى التملک.
بین أعباء التملک وفخ الإیجار
لا تقتصر أزمه السکن على الأجیال الجدیده، بل تمتد إلى الطبقه الوسطى الأمریکیه عموما، بعدما أصبحت الأقساط العقاریه والإیجارات والضرائب والتأمین تستنزف حصه متزایده من دخول الأسر.
وبلغ عدد الأسر الأمریکیه، بمختلف فئات دخلها، التی تنفق أکثر من 30% من دخلها على السکن نحو 43.5 ملیون أسره عام 2024، وفق دراسه نشرتها جامعه هارفارد فی فبرایر/شباط 2026، أی بزیاده 6.4 ملایین أسره مقارنه بعام 2019.
ولم یسلم مالکو المنازل من هذه الضغوط، إذ أصبح نحو 20.7 ملیون أسره مالکه تتحمل أعباء سکن تتجاوز 30% من دخلها، فی وقت ارتفعت فیه الضرائب العقاریه بنسبه 31% بین عامی 2019 و2025، وقفز متوسط أقساط التأمین الشهری على المنازل بنسبه 72%، وفق تقریر هارفارد عن حاله الإسکان لعام 2026.
أما المستأجرون، فیواجهون معضله أخرى، إذ أنفقت 22.7 ملیون أسره، تمثل 49% من إجمالی الأسر المستأجره، أکثر من 30% من دخلها على السکن عام 2024، وأنفقت علیه 12.1 ملیون أسره أکثر من نصف دخلها.
وارتفعت التکلفه الوسیطه للسکن بالنسبه إلى المستأجرین بنسبه 38% بین عامی 2019 و2024، وفق جامعه هارفارد، مقابل زیاده بلغت 28% فی دخولهم.
وتؤدی هذه الفجوه إلى إضعاف قدره المستأجرین على الادخار لشراء منازل، خصوصا مع نقص الوحدات المنخفضه التکلفه، إذ فقدت السوق الأمریکیه أکثر من سبعه ملایین وحده یقل إیجارها الشهری عن ألف دولار، بعد احتساب التضخم، بین عامی 2014 و2024.
وبذلک تتعمق الفجوه بین مالکین قدامى استفادوا من ارتفاع قیمه عقاراتهم، لتبلغ حقوق الملکیه العقاریه المتراکمه لدى الأمریکیین نحو 34 تریلیون دولار بنهایه 2025، وبین أسر مستأجره تستنزف الإیجارات مدخراتها وتؤجل حلم التملک.
لماذا لا تنخفض أسعار المنازل؟
رغم تراجع قدره الأمریکیین على شراء المنازل، لم تشهد الأسعار انخفاضا واسعا یعیدها إلى مستویات میسوره. فبحسب الرابطه الأمریکیه للوسطاء العقاریین، تراجع مؤشر المبیعات التی وقعت عقودها ولم تستکمل بعد بنسبه 7.3% خلال سبتمبر/أیلول 2026، مسجلا أدنى مستوى منذ بدء تسجیله عام 2001.
وتفسر هذه المفارقه جزئیا ظاهره "الانحباس فی الرهن العقاری"، إذ یتمسک مالکون بمنازل اشتروها بقروض منخفضه الفائده، تجنبا لبیعها والاقتراض مجددا بتکلفه أعلى، مما یحد من المعروض المتاح للمشترین.

أسعار المنازل لم تنخفض رغم ضعف الطلب (رویترز) وتتفاقم المشکله مع تباطؤ البناء، إذ أظهرت بیانات مکتب الإحصاء الأمریکی تراجع وتیره بدء تشیید المنازل المخصصه لأسره واحده بنسبه 4.6% خلال سبتمبر/أیلول، إلى معدل سنوی یبلغ 859 ألف وحده، وفق التقدیرات الأولیه المعدله موسمیا.
ولا یکفی ضعف الطلب وحده لخفض الأسعار، ما دام المعروض مقیدا بتمسک المالکین بمنازلهم وتباطؤ البناء، خصوصا فی فئه المساکن التی تناسب القدره الشرائیه للطبقه الوسطى.
أزمه السکن فی صنادیق الاقتراع
مع اقتراب انتخابات التجدید النصفی للکونغرس فی 3 نوفمبر/تشرین الثانی 2026، تتحول أزمه السکن إلى جزء من المعرکه الانتخابیه حول غلاء المعیشه، إذ یسعى الدیمقراطیون إلى استثمار الاستیاء من الأوضاع الاقتصادیه، بینما یدافع الجمهوریون عن سیاسات إداره ترمب .
وتکشف استطلاعات الرأی حجم القلق الاقتصادی، إذ أظهر استطلاع لوکاله "أسوشیتد برس" ومرکز "نورک"، نُشر فی أکتوبر/تشرین الأول 2026، أن 85% من الناخبین یعدون الاقتصاد من أهم القضایا المؤثره فی تصویتهم، و84% یؤکدون تأثیر تکلفه المعیشه، دون أن یعنی ذلک بالضروره أن أزمه السکن وحدها ستحدد اختیاراتهم الانتخابیه.
وفی مواجهه الأزمه، أصدر ترمب أوامر تنفیذیه خلال ینایر/کانون الثانی ومارس/آذار 2026، تستهدف الحد من منافسه کبار المستثمرین للأفراد على شراء المنازل، وتخفیف القیود على البناء وتیسیر التمویل العقاری.
وفی 22 أکتوبر/تشرین الأول الجاری، أصدر أمرا تنفیذیا إضافیا یتضمن إجراءات لخفض تکالیف السکن، من بینها التمهید لإلغاء بعض تکالیف التأمین العقاری للمقترضین المستوفین للشروط، وتیسیر بناء المنازل المصنعه مسبقا، وتخفیض فوائد فئات محدده من القروض السکنیه المباشره التی تقدمها جهات حکومیه.
فی المقابل، طرح زعیم الدیمقراطیین فی مجلس الشیوخ تشاک شومر أجنده لخفض تکالیف السکن، تشمل زیاده العرض وحمایه المستأجرین وتوسیع فرص التملک.
ورغم الخلافات بین الحزبین، أقر الکونغرس قانون "الطریق إلى الإسکان فی القرن الحادی والعشرین"، الذی دخل حیز التنفیذ فی یولیو/تموز 2026 دون توقیع ترمب، ویتضمن إصلاحات لتسهیل البناء والتمویل، وفق خدمه أبحاث الکونغرس.
لکن آثار هذه الإجراءات لم تتضح بعد، مما یجعل أزمه السکن اختبارا انتخابیا للحزبین، خصوصا لدى الشباب والطبقه الوسطى الذین أصبحوا یقیسون نجاح السیاسات الاقتصادیه بقدرتهم على امتلاک منازل، لا بمؤشرات النمو وحدها.
الحلم الأمریکی على المحک
ورغم المبادرات الحکومیه والوعود الانتخابیه، تبدو معالجه أزمه السکن الأمریکیه أکثر تعقیدا من مجرد خفض فوائد القروض، إذ إن تراجع تکلفه الاقتراض قد یعید المشترین إلى السوق، ویدفع الأسعار للارتفاع مجددا إذا لم یتوسع عرض المنازل بالوتیره نفسها.
ولذلک، تشمل الحلول المطروحه زیاده بناء المساکن المیسوره، وتبسیط التراخیص، ودعم الدفعه الأولى للمشترین الجدد، وتوسیع المساعدات الإیجاریه. غیر أن ارتفاع تکالیف البناء واختلاف القوانین بین الولایات والبلدیات قد یؤخر نتائج هذه الإجراءات.
وفی انتظار نتائج هذه السیاسات، تتسع الفجوه بین أجیال استفادت من شراء المنازل بأسعار أقل وقروض منخفضه الفائده، وأخرى تواجه صعوبه متزایده فی الادخار والاقتراض، لیصبح امتلاک منزل أحد أبرز مظاهر التفاوت الاقتصادی بین الأمریکیین.
ومهما کانت نتائج انتخابات نوفمبر/تشرین الثانی، فإن الاختبار الحقیقی للجمهوریین والدیمقراطیین لن یکون فی الوعود التی یقدمونها، بل فی قدرتهم على إعاده أحد أبرز رموز "الحلم الأمریکی" إلى متناول جیل أصبح امتلاک المنزل بالنسبه إلیه حلما مؤجلا.
المصدر: الجزیره