وکاله آریا للأنباء - غلاف المجموعه القصصیه "بلاد العجب".. 23 قصه قصیره للکاتب أحمد عیسى تسترد وجوه غزه وتفاصیل الفقد من بین أنیاب الأرقام ونشرات الأخبار (الجزیره)
غزه – عن أم شابه فقدت زوجها، وعن أمها التی صارت أرمله فی الیوم نفسه، وعن أب یؤجل بکذبه صغیره مواجهه ابنه بحقیقه موجعه، وعن بحار یحمل حذاء طفله المفقود کرایه لقارب أنهکه البحر؛ یکتب أحمد عیسى فی مجموعته القصصیه "بلاد العجب " عن غزه التی تتجاوز مأساتها حدود ما تلتقطه الکامیرات، وعن البشر الذین تترکهم الحرب خلفها، یحملون خسارات لا تنتهی بانتهاء القصف.
فی هذه المجموعه، لا تبدو الحکایات مجرد محاولات لتسجیل وقائع الحرب، بل مسعى لاستعاده وجوه غیّبها الموت، وأصوات کادت تضیع وسط ضجیج الانفجارات، وأحلام صغیره لم تجد طریقها إلى الحیاه. هنا أطفال یطاردون رغیف خبز بین فوهات البنادق، وآباء یخفون الحقیقه عن أحبائهم، ونساء یواجهن الفقد، وناجون یجدون أنفسهم أمام حیاه لم تعد تشبه ما عرفوه.
وقائع وتجارب إنسانیه قاسیه
وتستمد قصص مثل "أنین الروح " و "إجابه خاطئه " و "أرملتان " وغیرها مادتها من وقائع وتجارب إنسانیه عاشها الفلسطینیون خلال الحرب، لتعید صیاغتها فی قوالب أدبیه تتجاوز التسجیل المباشر إلى استکشاف ما تترکه الکارثه فی النفس والذاکره.
فی "أغنیه رفح الأخیره "، یحضر الطفل یزن شاهدا على مجزره حقیقیه أودت بحیاه عشرات الأبریاء، فیما تروی "أمنیه الفتى الطائر " حکایه عماد، الذی نجا وحده من قصف عمارتهم، بعدما قذفت به قوه الانفجار عشرات الأمتار، قبل أن تتلقفه شجره کأنها أم تحتضن ولیدها.
وتستعید قصه "أنین الروح " مأساه الطبیب حسام أبو صفیه ، الذی تلقى نبأ استشهاد ابنه بینما کان یؤدی واجبه فی علاج الجرحى. حمل وجعه، وکفّن ابنه وواراه الثرى، ثم عاد إلى المستشفى لیواصل إنقاذ الآخرین، قبل أن ینتهی به المطاف أسیرا بعیدا عن مرضاه الذین ظل حاضرا بینهم. إنها حکایه تختصر التناقض القاسی الذی فرضته الحرب على أطباء غزه: أن یواجهوا موت أحبائهم، ثم یعودوا إلى مواجهه الموت فی أجساد الآخرین.
ومع ذلک، لا تدّعی "بلاد العجب " الإحاطه بکل ما جرى؛ فما ترویه، على قسوته، لیس سوى شذرات من مأساه أوسع من أن تستوعبها الحکایات کلها.

الأم صبحیه جندیه، النازحه التی تستعید وجع فقد أبنائها الأربعه الذین انتزعتهم حرب الإباده من حیاتها، تارکهً فی قلبها جرحًا لا یندمل وذاکره مثقله بوجع الغیاب (الجزیره) ذاکره ومرایا وشظایا
تقع المجموعه فی 145 صفحه، وتضم 23 قصه موزعه على ثلاثه فصول، لکل منها مساره فی مقاربه الإنسان والواقع.
فی الفصل الأول، "ذاکره أخرى للموت "، تتقدم حکایات الفقد والخوف والنزوح والتشبث بالحیاه، فیما ینتقل الفصل الثانی، "یحدث فی المرایا "، إلى عوالم تتقاطع فیها أسئله الاستبداد والثأر والعنف وصراع الأشقاء، متخذا من المرآه مدخلا لإعاده النظر فی الواقع وکشف تناقضاته. أما الفصل الثالث، "شظایا "، فیضم قصصا قصیره جدا ومفارقات تبدو عابره، لکنها تضیء جوانب من النفس البشریه وتکشف اختلالات العالم المحیط بها.
ویقول عیسى للجزیره نت إن "الکتابه أمام هذا الکم الهائل من الضحایا والمساحات المنهوبه من الذاکره تظل عاجزه عن مضاهاه الواقع، مهما بلغت درجه صدقها ".
ویضیف: "ثمه أشیاء تتجاوز قدرتنا على التعبیر، وتفاصیل لا تظهر فی نشرات الأخبار، لکنها تختبئ فیما لا تراه الکامیرا. قد توثق الکامیرا لحظه استشهاد أسره طفل، لکنها لا تتابع ما یقاسیه بعدها من وحده، وما یعتمل داخله من خوف، ولا تربت علیه حین ینهض من نومه مفزوعا کل لیله، لیعیش تجربته ألف مره ما بقی له من حیاه ".
بهذا المعنى، لا تتوقف الحکایه عند لحظه الانفجار أو مشهد انتشال الضحایا؛ إنها تمتد إلى ما بعدهما، إلى حیاه الناجین وما یثقلها من ذکریات، وإلى الخوف الذی یستقر فی تفاصیل یومهم، وإلى الغائبین الذین یواصلون حضورهم فی کل ما تبقى.

اعتماد العطاونه، أمّ أرمله تجد نفسها أمام مسؤولیه أثقل من قدرتها، تحاول أن تحمی بناتها الست من الجوع والنزوح والخوف, وأن تحفظ لهن شیئًا من الحیاه التی سلبتها الحرب (الجزیره) کتابه فی مواجهه النسیان
لا یرى عیسى نفسه کاتبا استوعب الحرب أو أحاط بتجربتها، فهی، کما یقول، لم تنتهِ آثارها بعد، وما زالت صورها وأحداثها تتراکم فی الذاکره. لکنه یجد فی هذه الذاکره المشبعه بالحکایات ماده لا تنفد، ما دامت الکتابه قادره على تنظیمها وتحویلها إلى نصوص تمنح التجارب الإنسانیه معناها.
ویقرّ بأن الأدب لا یستطیع إیقاف الحرب، ولا إعاده الموتى، ولا ترمیم البیوت المدمره، لکنه یظل وسیله لمقاومه النسیان، وإعاده منح الضحایا حضورا یتجاوز الأرقام والإحصاءات.
ویعترف بأن ما یطمح إلیه من المجموعه هو ألا تتحول حیاه الناس إلى أرقام عابره، وألا یصبح الموت مألوفا إلى الحد الذی یفقد معه العالم قدرته على التأثر والتذکر.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز "بلاد العجب " حدود الحکایه الفردیه لتلامس أسئله الوطن والمنفى والاقتلاع والهویه. فالإنسان الذی یظهر فی قصصها لا یقاوم الموت وحده، بل یحاول الحفاظ على وجوده ومعناه فی مواجهه المحو والتهجیر والدمار. ومن خلال تفاصیل الحیاه الفلسطینیه تحت الحرب، تتشکل صوره مجتمع تتنازعه الخساره والشتات، لکنه یواصل البحث عن أسباب البقاء.
وتغدو الکتابه، فی هذا السیاق، فعلا لمقاومه الاندثار، ومحاوله لصون ما تبقى من الذاکره والمکان والإنسان؛ کأن القلم یستعید بعض ما یتناثر من حیاه غزه، ویمنحه فرصه أخرى للظهور.

الکاتب أحمد عیسى: لا تبدو الحکایات مجرد محاولات لتسجیل وقائع الحرب، بل مسعى لاستعاده وجوه غیّبها الموت. المصدر صوره خاصه بکتاب بلاد العجب تفاصیل مشبعه بالوجع والفقد
ویشیر الکاتب شفیق التلولی إلى أن تجربه عیسى تنبع من قدرته على حفظ الذاکره وصون المکان فی مواجهه الهدم، والدفاع عن الإنسان فی وجه محاولات طمس هویته وتصفیه وجوده. ویرى أن الکتابه هنا تتجاوز التعبیر عن الألم الفردی لتصبح جزءا من معرکه الوعی فی مواجهه تدمیر المعالم الثقافیه والتراثیه واستهداف الکتاب والأدباء والفنانین والمؤسسات المعرفیه.
ویقول التلولی للجزیره نت إن "الکتابه لدى عیسى لم تأتِ مصادفه فی زمن الحرب، بل جاءت محموله على الوجع والفقد، ومشبعه بتفاصیل النزوح والحرمان. فقد تنقل الکاتب من خیمه إلى أخرى، ومن قصف إلى قصف، حاملا قلمه وکراسه ومخیلته، لتغدو الکتابه نفسها تجربه مختلفه، تتشکل تحت ضغط الخطر وتستمد تفاصیلها من قلب المأساه.".
ویضیف: "لقد استطاع عیسى أن یلمّ شتات الأشیاء والذات المتناثره فی مشهد أدبی یجسد الفلسطینی شاهدا على مأساته، وناجیا یحمل آثارها، فی مواجهه روایات تسعى إلى تبریر القتل والإباده وطمس الحقائق.".

الکاتب شفیق التلولی: الکتابه فی هذه المجموعه لم تأتِ مصادفه فی زمن الحرب، بل جاءت محموله على الوجع والفقد، ومشبعه بتفاصیل النزوح والحرمان المصدر صوره خاصه بکتاب بلاد العجب نصوص تکشف فداحه الواقع
لا تکتفی "بلاد العجب " بنقل أهوال الحرب، بل تبحث عن الشکل الأدبی القادر على احتوائها من دون أن یحولها إلى مشاهد لاستدرار العاطفه. وهذه، فی نظر الروائی والکاتب القصصی المصری هشام عید، إحدى أبرز نقاط قوه المجموعه.
ویرى عید أن الکتابه عن أهوال عاشها الکاتب بنفسه تتطلب قدره کبیره على التجرد والخروج من أسر الانفعال؛ وهو تحد استطاع عیسى مواجهته عبر نصوص مکثفه تحافظ على جمالیات السرد من دون أن تنتزع من المأساه وجعها.
ویشیر فی حدیثه للجزیره نت إلى أن "الکاتب وظّف أدوات سردیه متنوعه، من الفانتازیا وتیار الوعی والمونولوج الداخلی إلى بناء المشاهد بعیدا عن التقریریه. وتتجلى هذه القدره فی حکایات تبدو، على قسوتها، أقرب إلى الخیال؛ مثل طفل یشاغل قناصا بعصا کی یتمکن من الوصول إلى ربطه خبز، وطفله تحتمی بخیالها من واقع یفوق قدرتها على الاحتمال، وأب یعلّق فرده حذاء ابنه على قارب متهالک، کأنها رایه تختصر الفقد والعجز أمام البحر ".

الروائی والکاتب القصصی المصری هشام عید: لا تکتفی "بلاد العجب " بنقل أهوال الحرب، بل تبحث عن الشکل الأدبی القادر على احتوائها من دون أن یحولها إلى مشاهد لاستدرار العاطفه المصدر صوره خاصه بکتاب بلاد العجب استعاده الإنسان من تحت الرکام
وعلى مستوى اللغه، یلفت عید إلى أن المجموعه تمزج بین الموروث الثقافی والإحالات الأدبیه، بما فیها ألیس ودرویش وإلیوت، وبین التوتر النفسی ولغه شفافه تقترب من الشعر. کما تمنح التفاصیل الحسیه، من رائحه الدم ورکام البیوت إلى أزیز الطائرات وأحلام الأطفال، القارئ إحساسا بأنه داخل قلب الحدث.
ولا تکمن أهمیه تعدد الحکایات، وفق عید، فی تنوع الشخصیات والمصائر فحسب، بل فی قدرته على إعاده بناء صوره جماعیه للمجتمع الغزی من خلال مصائر فردیه تحتفظ کل منها بخصوصیتها، وتقاوم اختزال أصحابها فی سجل الضحایا.
ویصف عید "بلاد العجب " بأنها نص مرعب، لیس فقط لما یکشفه من فداحه الواقع، بل لأنه یبقی القارئ فی مواجهه الألم من دون أن یتخلى عن شروط الفن. فالمجموعه، فی تقدیره، تحوّل الموت والدمار إلى کتابه وجمال، لکنها لا تلطّف قسوه الحقیقه ولا تستبدل بها صوره مریحه.
وهکذا، تبدو "بلاد العجب " محاوله لاستعاده الإنسان من تحت رکام الأرقام؛ فخلف کل ضحیه حکایه لم تکتمل، وخلف کل ناج حیاه مثقله بما لا تستطیع الکامیرا رصده، وخلف کل بیت مهدّم ذاکره لا تزال تبحث عمّن یصونها. وفی هذه المسافه بین ما وقع وما یمکن للکلمات أن تنقله، یکتب عیسى عن غزه، لا لیزعم أن الأدب قادر على ترمیم ما دمرته الحرب، بل لیمنع الحکایات من أن تُدفن مع أصحابها.
المصدر: الجزیره