وکاله آریا للأنباء - فوائد الدین العام تستحوذ على 14.2% من الإنفاق الفدرالی الأمریکی خلال السنه المالیه 2026 (رویترز)
یذهب نحو دولار من کل 7 دولارات تنفقها الحکومه الأمریکیه لسداد فوائد الدین العام، بعدما استحوذت مدفوعات الفوائد على 14.2% من إجمالی الإنفاق الفدرالی خلال السنه المالیه المنتهیه فی سبتمبر/أیلول 2026، وفق بیانات وزاره الخزانه الأمریکیه ، وهو ما یعکس حجم الأعباء التی تفرضها المدیونیه على موازنه أکبر اقتصاد فی العالم.
وتزداد أهمیه هذه الأرقام فی وقت یکافح فیه ملایین الأمریکیین لتغطیه تکالیف السکن والرعایه الصحیه واحتیاجاتهم الیومیه، بینما تضطر الحکومه إلى تخصیص مبالغ متزایده من موارد الموازنه لسداد فوائد الدیون، وهو ما یحد من الموارد المتاحه لتمویل خدمات ومشروعات یمکن أن تسهم فی تحسین حیاه المواطنین.
وتتحول هذه المفارقه إلى قضیه انتخابیه مع اقتراب انتخابات التجدید النصفی للکونغرس فی 3 نوفمبر/تشرین الثانی 2026، التی یسعى الجمهوریون خلالها للحفاظ على أغلبیتهم فی مجلسی النواب والشیوخ، فی حین یراهن الدیمقراطیون على استیاء الناخبین من تکالیف المعیشه لمنافسه الحزب الحاکم.
وتزداد أهمیه هذا التحدی فی ظل السیاسات الاقتصادیه للرئیس دونالد ترمب ، الذی وعد بخفض الضرائب وتکالیف الاقتراض وتوفیر المزید من الوظائف، فی حین یتوقع مکتب الموازنه بالکونغرس أن تؤدی تلک التشریعات المالیه التی أُقرت فی عام 2025 إلى زیاده العجز بین الإیرادات والنفقات الحکومیه خلال سنوات، بنحو 4.7 تریلیونات دولار خلال الفتره ما بین عامی 2026 و2035.
وأظهر استطلاع نشره مرکز بیو للأبحاث فی أکتوبر/تشرین الأول 2026 أن 84% من الناخبین المسجلین یرون أن الاقتصاد قضیه شدیده الأهمیه فی تحدید تصویتهم فی انتخابات الکونغرس، وهو ما یجعل تکلفه الدیون والسیاسات المالیه جزءا من اختبار أوسع للوعود الاقتصادیه للحزبین.
وتثیر هذه التطورات تساؤلات بشأن المستفید الحقیقی من السیاسات الاقتصادیه الأمریکیه، ومدى استفاده المواطنین من التخفیضات الضریبیه والإنفاق الحکومی مقارنه بالشرکات الکبرى والمؤسسات المالیه، فضلا عن حجم الأعباء التی تفرضها الدیون المتراکمه وفوائدها على حیاه الأمریکیین ومستقبل الأجیال المقبله، وما تعنیه هذه التحدیات لرهانات الجمهوریین والدیمقراطیین فی الانتخابات النصفیه.
دیون تتراکم.. وفوائد تلتهم الموازنه
لم تصل الولایات المتحده إلى أزمتها الحالیه بین عشیه وضحاها، فقد تراکمت الدیون على مدار عقود نتیجه استمرار الإنفاق الحکومی بمعدلات تتجاوز الإیرادات، وأسهمت التخفیضات الضریبیه وتکالیف الحروب والأزمات الاقتصادیه وبرامج التحفیز فی تفاقم هذا الوضع، حتى تجاوز إجمالی الدین الفدرالی الأمریکی حاجز 40 تریلیون دولار فی أغسطس/آب 2026، وفق موقع وزاره الخزانه الأمریکیه، وهو مستوى غیر مسبوق لحجم الدین.
کما تکشف أحدث بیانات الوزاره أن فوائد الدین العام بلغت نحو 1.36 تریلیون دولار خلال السنه المالیه المنتهیه فی سبتمبر/أیلول 2026، وهو مبلغ ضخم لا یسدد أصل الدین، وإنما یمثل تکلفه الاقتراض نفسه.
ویتضح مدى ضخامه دیون الولایات المتحده عند مقارنتها بحجم اقتصاد البلاد، إذ تشیر تقدیرات صندوق النقد الدولی الصادره فی أکتوبر/تشرین الأول 2026 إلى أن الناتج المحلی الإجمالی للولایات المتحده سیبلغ نحو 32.6 تریلیون دولار خلال العام الحالی، وهو ما یعنی أن دیون الحکومه الأمریکیه أصبحت تفوق قیمه ما ینتجه أکبر اقتصاد فی العالم من سلع وخدمات خلال عام کامل.
ولا تکمن المشکله فی ضخامه الدین وحدها، بل فی تکلفه الإبقاء علیه، إذ تضطر الحکومه إلى إصدار سندات جدیده لتمویل عجزها وسداد الدیون المستحقه.
وتکشف أرقام السنه المالیه المنتهیه فی سبتمبر/أیلول 2026 حجم هذه الضغوط، إذ بلغ صافی فوائد الدین العام نحو 1.05 تریلیون دولار، متجاوزا الإنفاق على الدفاع الوطنی البالغ نحو 965 ملیار دولار، وکذلک الإنفاق على بند الصحه الذی بلغ نحو 1.03 تریلیون دولار، وفق بیانات وزاره الخزانه الأمریکیه.
وتتسع الفجوه عند المقارنه بالتعلیم، فقد بلغ الإنفاق الفدرالی على التعلیم والتدریب والتوظیف والخدمات الاجتماعیه نحو 108 ملیارات دولار خلال الفتره نفسها، أی أن صافی فوائد الدین تجاوز هذا المبلغ بنحو عشره أضعاف، وهو ما یعکس حجم الموارد التی تستحوذ علیها فوائد الدیون مقارنه ببعض الخدمات التی تمس حیاه المواطنین بصوره مباشره.
تخفیضات ضریبیه بالملیارات.. من یستفید؟
فی الوقت الذی تتزاید فیه فوائد الدین، واصلت الإدارات الأمریکیه استخدام التخفیضات الضریبیه بوصفها وسیله لتحفیز الاستثمار والنمو وتوفیر الوظائف، وکان من أبرز هذه السیاسات قانون عام 2017 الذی أقرته إداره دونالد ترمب، وخفض معدل الضریبه الفدرالیه على أرباح الشرکات من 35% إلى 21%، وفق موقع مکتب المحاسبه الحکومیه الأمریکی.
وعاد ترمب إلى توسیع هذه السیاسه خلال ولایته الثانیه، من خلال التشریع الضریبی والإنفاقی الذی أُقر فی یولیو/تموز 2025، ومدد عددا من التخفیضات الضریبیه السابقه وقدم حوافز إضافیه للاستثمار.
ویدافع الجمهوریون عن هذه التخفیضات بوصفها أداه لدعم النمو ورفع دخول الأسر، فی حین ینتقد الدیمقراطیون توزیع مکاسبها وتأثیرها فی العجز، وهو خلاف یکتسب أهمیه أکبر مع اقتراب الاقتراع.
وکشفت دراسه نشرها مرکز السیاسات الضریبیه الأمریکی فی یونیو/حزیران 2026 عن تفاوت کبیر فی الاستفاده من هذه التخفیضات.
وقدرت الدراسه أن أعلى 20% من الأسر الأمریکیه دخلا سیحصلون على نحو 60% من إجمالی التخفیضات الضریبیه خلال عام 2026، بمتوسط یتجاوز 12 ألف دولار للأسره، مقابل نحو 150 دولارا فقط للأسر الواقعه ضمن أفقر 20% من السکان، وهو ما یعکس ترکز الجانب الأکبر من المکاسب الضریبیه لدى الفئات الأعلى دخلا.

دراسه تقدر متوسط التخفیضات الضریبیه للأسر الأمریکیه الأعلى دخلا بأکثر من 12 ألف دولار فی عام 2026 (الفرنسیه) کیف تصل فاتوره الدیون إلى المواطن؟
لا یتلقى المواطن الأمریکی فاتوره مباشره باسم الدین العام، لکنه یشعر بتداعیاته من خلال ارتفاع تکالیف الاقتراض والضغوط على الإنفاق الحکومی، خاصه عندما تضطر الحکومه إلى تخصیص المزید من إیراداتها لسداد الفوائد، وهو ما یقلص المساحه المالیه المتاحه لتمویل الخدمات أو مواجهه الأزمات الاقتصادیه الجدیده.
وتکشف أرقام السنه المالیه المنتهیه فی سبتمبر/أیلول 2026 حجم هذه الضغوط، إذ بلغ إجمالی الإنفاق الفدرالی الأمریکی نحو 7.4 تریلیونات دولار، استحوذت فوائد الدین العام على نحو 1.05 تریلیون دولار منها، بما یعادل 14.2% من إجمالی النفقات.
وتظهر هذه الضغوط بوضوح على برامج الرعایه الصحیه والمساعدات الاجتماعیه التی یعتمد علیها ملایین الأمریکیین، إذ أقر الکونغرس فی یولیو/تموز 2025 تشریعا یتضمن تخفیضات کبیره فی الإنفاق على برنامج میدیکید للرعایه الصحیه المخصص للفئات المحدوده الدخل، وبرنامج المساعدات الغذائیه، فی وقت تتزاید فیه المبالغ التی تخصصها الحکومه لسداد فوائد دیونها.
وأصبحت هذه التغییرات إحدى نقاط الخلاف الانتخابی، إذ یرکز الدیمقراطیون على تداعیات خفض برامج الدعم الصحی والغذائی، فی حین یؤکد الجمهوریون أهمیه التخفیضات الضریبیه وضبط الإنفاق.
ووفق تقدیرات مکتب الموازنه بالکونغرس، یُتوقع أن تؤدی التغییرات التی شملها التشریع إلى خفض الإنفاق الفدرالی على برنامج میدیکید بنحو 910 ملیارات دولار خلال الفتره من 2025 حتى 2034، وزیاده عدد الأمریکیین الذین لا یمتلکون تأمینا صحیا بنحو 7.5 ملایین شخص بحلول عام 2034، مقارنه بما کان متوقعا قبل إقرار التشریع.
وجاءت الحرب الأمریکیه مع إیران لتزید الضغوط على المواطنین، بعدما أسهمت اضطرابات إمدادات النفط وارتفاع تکالیف الشحن والطاقه فی زیاده أسعار الوقود والسلع، إذ أظهرت بیانات مکتب إحصاءات العمل ارتفاع أسعار البنزین بنسبه 9.1% خلال سبتمبر/أیلول 2026 وحده، بینما بلغ التضخم السنوی 3.7%، لتتزاید الضغوط على القدره الشرائیه للأسر.
ووفق تقریر لوکاله أسوشیتد برس، ارتفعت أسعار البنزین بنسبه 45% مقارنه بمستویاتها قبل اندلاع الحرب، فی حین قُدرت التکلفه الاقتصادیه الإضافیه التی تحملتها الأسره الأمریکیه المتوسطه بنحو ألفی دولار، وشملت زیاده نفقات الطاقه والسلع والخدمات المتأثره بالحرب.

أسعار البنزین فی الولایات المتحده ارتفعت بنسبه 9.1% خلال سبتمبر/أیلول الماضی والتضخم السنوی یسجل 3.7% (الفرنسیه) وعود تحت الضغط
تضع هذه التطورات الوعود الاقتصادیه للرئیس دونالد ترمب أمام اختبار صعب قبل انتخابات التجدید النصفی، بعدما راهن على التخفیضات الضریبیه وتوسیع الإنتاج المحلی وخفض أسعار الطاقه لتحفیز الاستثمار وتوفیر الوظائف وتحسین مستویات المعیشه، إلى جانب دعواته المتکرره لخفض أسعار الفائده بما یدعم النشاط الاقتصادی ویقلص تکالیف الاقتراض.
وفی سوق العمل، أظهرت بیانات وزاره العمل الأمریکیه تباطؤ وتیره التوظیف خلال سبتمبر/أیلول 2026، إذ أضاف الاقتصاد 29 ألف وظیفه فقط، فی حین استقر معدل البطاله عند 4.2% دون تغیر یُذکر، وهو ما یسلط الضوء على ضعف نمو الوظائف فی وقت یواجه فیه الأمریکیون ضغوطا متزایده من ارتفاع تکالیف المعیشه.
وجاء ارتفاع التضخم -الذی أسهمت الحرب مع إیران فی تأجیجه- مخالفا لتطلعات ترمب، إذ قرر الاحتیاطی الفدرالی فی 16 سبتمبر/أیلول 2026 رفع أسعار الفائده بمقدار ربع نقطه مئویه إلى نطاق یتراوح بین 3.75% و4%، فی ظل استمرار الضغوط التضخمیه، وهو ما زاد صعوبه تحقیق وعود خفض تکالیف الاقتراض.
وتزداد أهمیه هذه المفارقه بالنسبه للدین العام، لأن ارتفاع الفوائد لا یضغط على الشرکات والأسر فقط، وإنما یمتد إلى الحکومه نفسها عند إصدار سندات جدیده أو إعاده تمویل الدیون المستحقه، ومن ثم فإن استمرار التضخم وارتفاع عوائد السندات قد یحدان من المکاسب المالیه التی تأمل الإداره تحقیقها من النمو الاقتصادی وزیاده الإیرادات الضریبیه.

الاقتصاد الأمریکی یضیف 29 ألف وظیفه فقط خلال سبتمبر/أیلول 2026 مع استقرار معدل البطاله عند 4.2% (الفرنسیه) مکاسب للمواطن أم لـ"وول ستریت"؟
یُفترض ألا تقتصر مکاسب السیاسات الرامیه إلى تحفیز الاقتصاد الأمریکی على الشرکات الکبرى والمؤسسات المالیه، بل أن تمتد إلى المواطنین بتوفیر المزید من فرص العمل وتحسین مستویات الدخل، فضلا عن العوائد التی یحصلون علیها من استثماراتهم ومدخراتهم وصنادیق التقاعد ، لکن حجم الاستفاده یتفاوت بصوره کبیره بحسب مستوى الدخل والثروه وما تمتلکه الأسر من أصول مالیه.
ویظهر هذا التفاوت فی تقییم مکتب الموازنه بالکونغرس للتشریع الضریبی والإنفاقی لعام 2025، الذی توقع أن یؤدی إلى زیاده الموارد المتاحه للأسر المتوسطه والمرتفعه الدخل خلال الفتره من 2026 إلى 2034، مقابل تراجعها لدى الأسر الأقل دخلا، نتیجه التخفیضات الضریبیه والتعدیلات لبرامج المساعدات الحکومیه.
وتکشف بیانات الاحتیاطی الفدرالی الأمریکی عن جانب آخر من هذه الفجوه، إذ بلغت قیمه الأسهم وحصص صنادیق الاستثمار المشترکه التی یمتلکها أغنى 10% من الأسر الأمریکیه نحو 48.2 تریلیون دولار بنهایه الربع الأول من عام 2026، مقابل 590 ملیار دولار فقط للنصف الأقل ثراء من الأسر.
وتعکس تلک البیانات أن مکاسب ارتفاع أسواق الأسهم تترکز بدرجه أکبر لدى الفئات الأکثر ثراء، بینما تظل استفاده قطاع واسع من المواطنین محدوده بسبب ضعف ملکیتهم لهذه الأصول، وهو تفاوت یمکن أن یستثمره الدیمقراطیون فی انتقاد السیاسات الاقتصادیه للجمهوریین.
من یتحمل الفاتوره المؤجله؟
حتى الآن لا تشیر التوقعات الرسمیه إلى أن الضغوط على الموازنه ستتراجع قریبا، إذ توقع مکتب الموازنه بالکونغرس ارتفاع صافی مدفوعات الفائده من نحو تریلیون دولار فی عام 2026 إلى 2.1 تریلیون دولار بحلول عام 2036، بالتزامن مع اتساع العجز السنوی إلى 3.1 تریلیونات دولار.
ولا تعنی هذه التوقعات أن الولایات المتحده ستعجز بالضروره عن سداد دیونها، لکن استمرار ارتفاع الدین والفوائد یطرح تحدیات تتعلق بقدره الحکومات المقبله على تمویل أولویاتها دون اللجوء إلى مزید من الاقتراض أو تغییر السیاسات الضریبیه والإنفاقیه.
وتزداد أهمیه هذه التحدیات مع تقدم السکان فی العمر وارتفاع نفقات برامج التقاعد والرعایه الصحیه، وهی التزامات یصعب خفضها دون آثار اجتماعیه واقتصادیه، مما یجعل معالجه الدین العام مرتبطه بخیارات تتجاوز إداره الاقتراض نفسه، لتشمل کیفیه توزیع الأعباء والموارد بین الفئات المختلفه والأجیال المتعاقبه.
قد یستطیع الناخب الأمریکی محاسبه السیاسیین على الضرائب التی یدفعها والخدمات التی یحصل علیها خلال فتره حکمهم، لکن محاسبتهم على تکلفه الدیون تبدو أکثر تعقیدا، إذ یمکن لقرارات تمنح بعض الفئات مکاسب فوریه أن تترک وراءها التزامات مالیه تستمر عقودا.
وهنا تبرز إحدى أعقد مشکلات الدین العام الأمریکی، فبینما تظهر التخفیضات الضریبیه والوعود الاقتصادیه بوضوح خلال الحملات الانتخابیه، لا تحظى تکالیف تمویلها بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم استمرار تراکم الفوائد عاما بعد آخر، لیصبح السؤال المطروح على الناخب قبل الانتخابات النصفیه لیس فقط: أی الحزبین یقدم وعودا اقتصادیه أکثر جاذبیه؟ بل: من سیستفید من هذه السیاسات ومن سیدفع ثمنها فی النهایه؟
المصدر: الجزیره