
وکاله آریا للأنباء -
لم یعد نظام "سویفت" مجرد شبکه لتبادل الرسائل المالیه بین البنوک، بل أصبح جزءا من معادله النفوذ الاقتصادی العالمی، فی ظل استخدام العقوبات المالیه أداه للضغط السیاسی، ودفع دول مثل روسیا وإیران إلى تطویر بدائل تقلل اعتمادها على المنظومه المالیه الدولیه القائمه.
ویعود تأسیس "سویفت"، وهو اختصار لجمعیه الاتصالات المالیه العالمیه بین البنوک، إلى عام 1973، عندما اجتمعت مؤسسات مالیه من 15 دوله فی بروکسل للبحث عن وسیله أکثر أمانا وفاعلیه لتبادل تعلیمات التحویلات المالیه عبر الحدود. وبدأ النظام عملیاته عام 1977، لیصبح لاحقا شبکه تربط أکثر من 11 ألف مؤسسه مالیه فی نحو 200 دوله.
ولا ینقل "سویفت" الأموال بصوره مباشره، کما یوضح تقریر للجزیره، وإنما یوفر شبکه آمنه لتبادل الرسائل المشفره التی تتضمن تعلیمات الدفع وبیانات الأطراف المعنیه، بما یتیح للبنوک تنسیق التحویلات الدولیه وتسویتها عبر المؤسسات المالیه المعنیه.
وبحسب تقریر الجزیره، بلغ متوسط الرسائل المالیه المتبادله عبر الشبکه نحو 59.8 ملیون رساله یومیا عام 2025، مما یعکس مکانتها فی البنیه التحتیه للمعاملات المالیه العالمیه.
العقوبات تحوّل الشبکه إلى أداه ضغط
تنبع أهمیه "سویفت" من دوره المحوری فی تسهیل المعاملات المصرفیه الدولیه، لکن ارتباطه بالقوانین والعقوبات الأوروبیه، إلى جانب النفوذ الأمریکی فی النظام المالی العالمی وهیمنه الدولار على المعاملات الدولیه، جعلته جزءا من أدوات الضغط الاقتصادی.
فعلى الرغم من أن الشبکه تتخذ من بلجیکا مقرا لها وتؤکد طابعها المحاید، فإنها ملزمه بالامتثال للعقوبات والقوانین الأوروبیه النافذه. ویؤدی استبعاد المصارف من خدماتها إلى تعقید تحویل الأموال وتسدید قیمه الواردات وتحصیل عائدات الصادرات، ویدفع المؤسسات المالیه إلى البحث عن قنوات بدیله قد تکون أکثر تکلفه وتعقیدا.
وتبرز إیران وروسیا مثالین على الدول التی اتجهت إلى تطویر أنظمه مالیه محلیه أو بدیله بعد تعرضها لعقوبات غربیه. ففی عام 2012، استبعدت مصارف إیرانیه خاضعه للعقوبات الأوروبیه من "سویفت"، مما دفع طهران إلى تطویر نظام "سیبام" لتبادل الرسائل المالیه بین المصارف الإیرانیه وتقلیل الاعتماد على الشبکات الخارجیه.
أما روسیا، فبدأت تطویر نظام "إس بی إف إس" عام 2014، عقب فرض عقوبات غربیه على خلفیه ضم شبه جزیره القرم . وتعاظمت أهمیه النظام بعد استبعاد عدد من المصارف الروسیه من "سویفت" عام 2022.
ولم تتوقف المساعی الروسیه عند هذا الحد؛ إذ أطلقت شبکه "إیه 7" عام 2024 بالشراکه مع بنک "برومسفیاز"، ثم ظهرت عمله "إیه 7 إیه 5" المرتبطه بالروبل عام 2025، فی محاوله لتسهیل المدفوعات عبر الحدود بعیدا عن بعض القنوات المصرفیه التقلیدیه. غیر أن هذه المسارات واجهت بدورها عقوبات أمریکیه، وسط اتهامات بتسهیل معاملات مرتبطه بجهات خاضعه للقیود، نفتها الشبکه الروسیه.
الصین والهند.. بدائل تتجاوز العقوبات
ولا تقتصر دوافع البحث عن بدائل لـ"سویفت" على الدول الخاضعه للعقوبات، بل تشمل أیضا دولا تسعى إلى تعزیز استقلالها المالی وتوسیع استخدام عملاتها فی التجاره الدولیه. فالصین أطلقت نظام "سی آی بی إس" عام 2015، بعد العمل على تطویره منذ عام 2012، بهدف تسهیل المقاصه والتسویه بالیوان عبر الحدود، وتعزیز الدور الدولی للعمله الصینیه.
أما الهند، فبدأت تطویر بنیتها المالیه المحلیه بإطلاق نظام "إس إف إم إس" عام 2001 لتأمین تبادل الرسائل المالیه بین المؤسسات المصرفیه. وفی عام 2016، أطلقت واجهه المدفوعات الموحده "یو بی آی"، التی تتیح تحویل الأموال فورا بین الحسابات باستخدام وسائل مثل أرقام الهواتف ورموز الاستجابه السریعه، قبل التوسع فی ربطها بأنظمه دفع فی دول أخرى.
وتعکس هذه التجارب اختلاف أهداف الدول؛ فبعضها یسعى إلى تجاوز القیود والعقوبات، بینما یرکز بعضها الآخر على تسهیل التجاره والمدفوعات وتعزیز استخدام العمله الوطنیه.
هل تنجح البدائل فی تقلیص نفوذ "سویفت"؟
على الرغم من تنامی الأنظمه البدیله، فإنها لا تزال تواجه تحدیات تتعلق بمدى انتشارها، وقبولها لدى المصارف الدولیه، وقدرتها على توفیر مستویات مماثله من الأمان والکفاءه والربط المالی. کما أن إنشاء شبکه بدیله لا یعنی بالضروره التخلص من آثار العقوبات، إذ یمکن أن تطال القیود المؤسسات والشرکات والعملات المستخدمه فی تلک الشبکات، کما حدث مع مسارات مالیه روسیه.
وبذلک، لا یدور التنافس حول استبدال شبکه تقنیه بأخرى فحسب، بل حول من یمتلک القدره على تسهیل المدفوعات الدولیه، وتحدید قواعد الوصول إلى الأسواق المالیه، وتقلیل الاعتماد على الدولار. ویبقى السؤال الذی یطرحه تقریر الجزیره: هل تنجح هذه البدائل فی بناء نظام مالی دولی أکثر تنوعا واستقلالا، أم تظل قدرتها على تجاوز القیود محدوده فی ظل استمرار هیمنه المنظومه المالیه التقلیدیه؟
المصدر: الجزیره