• وکالة آریا للأنباءالعربیه
    • خبرگزاری آریافارسی
    • Arya News AgencyEnglish
۱۸ , جمادى الأولى, ۱۴۴۸
Friday, October 30, 2026
  • صفحه اصلی
  • السیاسة
    • الأقتصادیه
      • الریاضیه
        • علوم و تکنولوجیا
          • الثقافة
            • کل الأخبار
            السیاسة

            عندما تحترق الجمهوریه.. لماذا أصبحت احتجاجات الفرنسیین أکثر عنفا؟

            16/جمادى الأولى/1448 - 23:39:45
            • قراءة في ۱۷ دقائق
            عندما تحترق الجمهوریه.. لماذا أصبحت احتجاجات الفرنسیین أکثر عنفا؟
            وکاله آریا للأنباء - لا تعد الاحتجاجات ظاهره جدیده على فرنسا (غیتی)

            انتهى یوم السبت 17 أکتوبر/تشرین الأول 2026 فی فرنسا بمشهد مأساوی هو احتراق المبنى التاریخی لبلدیه لیموج وسط البلاد، بعد أن أضرم محتجون النیران فیه. تابع الفرنسیون عبر نشرات الأخبار احتراق هذه التحفه المعماریه التی اکتمل بناؤها عام 1883 على طراز عصر النهضه، محاکاه لمبنى بلدیه باریس، أحد أهم رموز التاریخ الثوری الفرنسی.
            لم تکن لیموج استثناء فی ذلک الیوم، فقد شهدت مدن باریس ولیون ومارسیلیا وبوردو وغیرها موجه واسعه من الاحتجاجات وأعمال التخریب والسطو على المحلات التجاریه، بلغ عدد المتضرره منها، وفق تقدیرات أولیه للحکومه الفرنسیه، ثلاثه آلاف محل على الأقل، کثیر منها مشروعات صغیره یملکها مهاجرون أو فرنسیون من أصول مهاجره.
            کان المشهد أکثر غرابه بالنظر إلى ما سبقه بساعات قلیله. فقد بدأت التعبئه باعتبارها یوما احتجاجیا عادیا، دعت إلیه اتحادات طلابیه لتصعید حراک طلاب الثانویات المستمر منذ أسابیع احتجاجا على تردی البنیه التحتیه ونقص الأساتذه وتراجع الإنفاق على التعلیم. وانضمت إلیهم مجموعات من أصحاب السترات الصفراء، الذین أعادتهم موجه الغلاء إلى الشارع بعد سنوات من الاحتجاج على الضرائب وأسعار المحروقات، إلى جانب نقابات ومنظمات یساریه، فی مقدمتها حزب فرنسا الأبیه بزعامه جان لوک میلونشون.
            قدر عدد المشارکین بمئات الآلاف. لکن المواکب التی انطلقت عند الظهیره على أنغام الموسیقى والشعارات المطلبیه، انتهى کثیر منها مع حلول الظلام إلى مواجهات مع الشرطه وعملیات سطو وتخریب واسعه. وتکرر المشهد ذاته على نطاقات متفاوته خلال الأیام التالیه، لکن النقاش السیاسی الفرنسی بدا عاجزا عن فهم ما یحدث أو تجاوز الجدال المعتاد حول ثنائیه الأمن والفوضى.
            أدان الرئیس إیمانویل ماکرون العنف، ودعا إلى التمییز بین المتظاهرین السلمیین والمخربین، بینما طالب الیمین التقلیدی والیمین المتطرف بتشدید الإجراءات الأمنیه واستعاده هیبه الدوله. وفی المقابل، اتهمت قوى من الیسار الحکومه بالفشل فی إداره المظاهرات، وحمّلتها مسؤولیه تأجیج الغضب الاجتماعی. وبینما انشغلت وسائل الإعلام بصور الحرائق والمحلات المنهوبه، تراجعت إلى الخلفیه مطالب مئات الآلاف الذین خرجوا فی الأصل احتجاجا على أوضاعهم المعیشیه.
            لا تعد الاحتجاجات ظاهره جدیده على فرنسا، فقد کان التظاهر طقسا سیاسیا شدید التنظیم فی البلاد على مدى نحو قرنین من الزمان، ولم یکن اقتحام الباستیل الذی أطلق شراره الثوره الفرنسیه الکبرى عام 1789 إلا مثالا واحدا لهذا الطقس الفرنسی. لکن فرنسا، التی امتلکت یوما أحزابا ونقابات قادره على تنظیم ملایین المواطنین وتوجیه احتجاجاتهم، تحولت الیوم إلى مجتمع تتجدد الاحتجاجات فیه بأعداد هائله إلا أنه یعجز عن تحویل غضبه إلى حرکه سیاسیه مستمره ومؤثره.
            هذه هی الأزمه الأعمق للجمهوریه الفرنسیه الیوم، إذ لم یفقد المجتمع قدرته على الاحتجاج، لکنه فقد جانبا کبیرا من الأطر الجماعیه التی کانت تحول الاحتجاج إلى فعل سیاسی منظم. فقد ازدادت حده الصراع الاجتماعی فی ظل ضغوط اقتصادیه متراکمه، لکن الأحزاب والنقابات والمنظمات الجماهیریه التی کانت تمنح هذا الاحتجاج لغته السیاسیه وآلیاته التفاوضیه قد تراجعت قدرتها على تمثیله.
            "الأحزاب والنقابات والمنظمات الجماهیریه التی کانت تمنح الاحتجاج لغته السیاسیه وآلیاته التفاوضیه تراجعت قدرتها على تمثیله"
            وبقدر ما انسحبت هذه المؤسسات من حیاه قطاعات واسعه من الفرنسیین، أصبح الشارع مساحه تلتقی فیها احتجاجات العمال والطلاب وصغار الملاک والعاطلین عن العمل، مع غضب أبناء الضواحی المهمشه، بل ومع مجموعات لا تحمل مطالب سیاسیه واضحه. إنها أزمه تمثیل سیاسی واجتماعی، بقدر ما هی أزمه أمنیه أو اقتصادیه.
            تاریخ الاحتجاج الفرنسی
            لفهم هذا التحول، ینبغی العوده إلى التاریخ الطویل للاحتجاج السیاسی فی فرنسا. فالمظاهره کما نعرفها الیوم تقلید فرنسی أصیل، تعود جذوره إلى الثوره الفرنسیه وما تلاها من ثورات وانتفاضات خلال القرن التاسع عشر. لکنها اکتسبت شکلها الجماهیری المنظم خلال القرن العشرین، خاصه بعد الحرب العالمیه الثانیه، مع صعود الأحزاب الجماهیریه والنقابات الکبرى.
            کان الحزب الشیوعی الفرنسی، على سبیل المثال، عالما اجتماعیا متکاملا، یضم نقابات وتنظیمات طلابیه وجمعیات ثقافیه وشبکات من العلاقات تمتد من المصانع والأحیاء الشعبیه إلى البلدیات والمؤسسات الریاضیه والاجتماعیه. وکانت للنقابات الاشتراکیه والمسیحیه بدورها تنظیماتها الخاصه، وقواعدها من المناضلین، ما منحها قدره على تعبئه قطاعات واسعه من المجتمع.

            وکاله آریا للأنباء

            ضباط الشرطه المجهزون بمعدات مکافحه الشغب یشتبکون مع المتظاهرین خلال احتجاجات فی فرنسا، 8 أکتوبر/تشرین الأول 2026 (رویترز) لم تکن هذه التنظیمات مجرد أدوات للحشد، بل مؤسسات تنظم حیاتهم الیومیه وتصوغ مصالحهم وتمنحهم هویه جماعیه. وکان العامل الشیوعی أو الاشتراکی یعرف نقابته وحزبه وصحیفته، ویستطیع عبر هذه المؤسسات التعبیر عن مطالبه والمشارکه فی صراعات سیاسیه تتجاوز مشکلاته الشخصیه.
            وحتى المواجهات العنیفه بین التنظیمات المتنافسه کانت تجری ضمن صراع سیاسی واضح المعالم، له أهداف وأطراف معروفه. ففی یونیو/حزیران 1973، تحولت المنطقه المحیطه بقاعه لا موتوالیتیه فی باریس إلى ساحه مواجهات عنیفه، بعد أن هاجمت الرابطه الشیوعیه تجمعا لتنظیم "النظام الجدید" الیمینی المتطرف، وانتهت الأحداث بقرار الحکومه حل التنظیمین.
            راکمت الدوله الفرنسیه خبره طویله فی مواجهه الحرکات الاحتجاجیه وضبط الشارع، وإن لم تخلُ هذه الخبره من صفحات شدیده الدمویه. ففی لیله 17 أکتوبر/تشرین الأول 1961، وبینما کانت فرنسا تخوض حربها الاستعماریه الأخیره فی الجزائر، خرج آلاف الجزائریین فی باریس احتجاجا على حظر تجول فُرض علیهم بصوره تمییزیه. وواجهتهم الشرطه الفرنسیه بقیاده موریس بابون بعنف بالغ، أسفر عن مقتل عشرات المتظاهرین، وأُلقی عدد من الضحایا فی نهر السین.
            "راکمت الدوله الفرنسیه خبره طویله فی مواجهه الحرکات الاحتجاجیه وضبط الشارع"
            ومع أن عنف الدوله لم ینتهِ بعد ذلک، فإن العلاقه بین المظاهرات والأجهزه الأمنیه شهدت تحولات مهمه، خاصه مع تطور أسالیب إداره الحشود واتساع الرقابه السیاسیه والإعلامیه على ممارسات الشرطه. وکان لحادثه مقتل الطالب مالک أوسکین فی دیسمبر/کانون الأول 1986 أثر بالغ فی هذا المسار. فقد اندلعت موجه احتجاجات طلابیه عارمه ضد مشروع حکومه جاک شیراک لإصلاح الجامعات، بما یسمح لها بممارسه انتقاء أوسع للطلاب بعد حصولهم على شهاده الثانویه، على الطریقه الأمریکیه. تعرض أوسکین للضرب المبرح على أیدی شرطیین من الوحدات المتنقله على الدراجات الناریه، رغم أنه لم یکن مشارکا فی المواجهات، لتفجر وفاته موجه غضب أجبرت الحکومه على سحب مشروع القانون، وأدت إلى استقاله الوزیر المسؤول عنه وحل الوحده الأمنیه المعنیه.
            کانت هذه الأحداث تکشف عن قوه المؤسسات الجماعیه التی تتحرک عبرها الاحتجاجات. وتحول العنف الأمنی نفسه إلى قضیه سیاسیه تتبناها قوى منظمه وتجبر السلطه على تقدیم تنازلات.
            النیولیبرالیه والتفکک التنظیمی
            لکن الأسس الاجتماعیه التی قامت علیها هذه المنظومه کانت قد بدأت تتآکل بالفعل. فمنذ مطلع الثمانینیات، أخذت فرنسا تدخل مرحله جدیده من التحول الاقتصادی والسیاسی بعد أن اضطر الرئیس الاشتراکی فرنسوا میتران عام 1983 إلى التخلی عن جانب کبیر من برنامجه الاقتصادی التوسعی، والانتقال إلى سیاسات التقشف وضبط التضخم والعجز المالی. ثم جاءت موجات الخصخصه وتحریر الأسواق، بالتوازی مع تراجع الصناعات التقلیدیه التی شکّلت طوال عقود القاعده الاجتماعیه للأحزاب الشیوعیه والنقابات العمالیه.
            لقد کان هذا التحول أعمق من مجرد تراجع انتخابی لأحزاب الیسار، حیث فقد الحزب الشیوعی والنقابات العمالیه على اختلاف توجهاتها، نفوذها فی المدینه الفرنسیه. ومع تراجع تلک الأشکال التنظیمیه، بدأ المجتمع الفرنسی یفقد شیئا فشیئا اللغه السیاسیه المشترکه.
            ثم جاء مشروع التکامل الأوروبی لیضیف قیدا جدیدا على المجال المتاح للسیاسه الاقتصادیه الوطنیه. فقد شکّلت اتفاقیه ماستریخت عام 1992 لحظه حاسمه فی الانتقال نحو الاتحاد الأوروبی والعمله الموحده، وما رافقهما من تنسیق للسیاسات الاقتصادیه والمالیه. وبینما تبنّت أحزاب الوسط، یمینا ویسارا، هذا المشروع باعتباره مستقبل فرنسا الوحید، عارضته أحزاب أقصى الیسار والیمین، وعلى رأسها الحزب الشیوعی وحزب الجبهه الوطنیه الیمینی. وبمرور الوقت، أصبحت الحکومات الفرنسیه المتعاقبه ملزمه بالتوفیق بین مطالب ناخبیها والتزاماتها الأوروبیه، فی ظل انتقال جانب من سلطه القرار الاقتصادی إلى مؤسسات فوق وطنیه، مثل المفوضیه الأوروبیه والبنک المرکزی الأوروبی.
            کانت احتجاجات عام 1995 لحظه انفجار هذا التناقض. فقد انتُخب الرئیس جاک شیراک فی مایو/أیار من ذلک العام على برنامج یعد بمعالجه "الشرخ الاجتماعی" وردم الهوه بین الطبقات، لکنه ما إن وصل إلى الحکم حتى اختار رئیسا للحکومه، ألان جوبیه، تبنّى برنامجا للإصلاح الاقتصادی یهدف إلى تقلیص الإنفاق العام وإعاده هیکله أنظمه التقاعد والضمان الاجتماعی. وجدت النقابات الفرنسیه نفسها أمام حزمه من الإجراءات التی تهدد مکاسب اجتماعیه راکمتها الطبقه العامله الفرنسیه على مدى عقود.
            "کانت احتجاجات عام 1995 لحظه انفجار هذا التناقض"
            جاء الرد عبر إضرابات واسعه شملت السکک الحدیدیه وقطاعات النقل والخدمات العامه، وشلّت البلاد لأسابیع. وبلغت التعبئه ذروتها فی دیسمبر/کانون الأول، عندما خرجت حشود هائله إلى الشوارع، بینما استمر توقف حرکه القطارات والنقل العام. والمثیر أن الرأی العام، رغم تضرره المباشر من تعطیل وسائل النقل، ظل یدعم المضربین بدرجه کبیره، حتى صاغت الصحافه الفرنسیه مصطلح "الإضراب بالوکاله"، للإشاره إلى أن قطاعات واسعه من المجتمع کانت ترى فی العمال المضربین ممثلین لمصالحها، رغم عدم قدرتها على الإضراب بنفسها.

            وکاله آریا للأنباء

            تظاهرات فی ساحه الجمهوریه بباریس فی 16 دیسمبر/کانون الأول 1995 احتجاجا على خطط الحکومه لخفض الإنفاق على الرعایه الاجتماعیه (الفرنسیه) اضطرت حکومه جوبیه إلى التراجع عن إصلاح أنظمه التقاعد الخاصه فی القطاع العام، بینما أبقت على أجزاء أخرى من برنامجها لإصلاح الضمان الاجتماعی. لم تکن الاحتجاجات انتصارا کاملا للنقابات، لکنها کشفت عن قدرتها على تحویل غضب قطاعات متباینه من الفرنسیین إلى حرکه جماعیه، لها مطالب محدده، وقیادات یمکن التفاوض معها، وقوه سیاسیه تستطیع إجبار الحکومه على التراجع.
            انفجار الهامش
            غیر أن هذا النموذج الحزبی والنقابی لم یکن شاملا لجمیع الفرنسیین. فعلى هامش المجتمع المنظم نقابیا وحزبیا، کانت تنمو أجیال جدیده لم تجد لنفسها مکانا داخل هذه المؤسسات، خاصه فی الضواحی الشعبیه التی یقطنها أبناء المهاجرین من المستعمرات الفرنسیه السابقه. کان هؤلاء فرنسیین من الناحیه القانونیه، لکنهم عاشوا فی أحیاء تعانی البطاله والتهمیش والتمییز العنصری، بعیدا عن شبکات الحمایه التی تمتعت بها الطبقه العامله التقلیدیه. ومع تراجع المؤسسات الیساریه التی کانت تتحدث باسم العمال والفئات الشعبیه، أصبح کثیر من هؤلاء الشباب یواجهون الدوله بوصفها سلطه أمنیه، لا بوصفها جهه سیاسیه یمکن التفاوض معها.
            ظهر هذا التناقض بصوره انفجاریه فی خریف عام 2005، عندما توفی الشابان المراهقان زیاد بنّا وبونا تراوری، البالغان من العمر 17 و15 عاما، بعد لجوئهما إلى منشأه کهربائیه فی کلیشی سو بوا هربا من الشرطه. أثارت وفاتهما موجه غضب فی الضواحی، تفاقمت بعد وصول الغاز المسیل للدموع إلى مسجد فی المنطقه خلال مواجهات مع الشرطه. وفی الوقت نفسه، کان وزیر الداخلیه آنذاک نیکولا سارکوزی یتبنى خطابا أمنیا متشددا تجاه سکان الأحیاء الشعبیه، سبق أن عبّر عنه بوعده تنظیف أحد هذه الأحیاء بجهاز الغسل بالماء المضغوط "الکارشار".
            تحولت الضواحی الفرنسیه إلى ساحات مواجهات مفتوحه، وأُحرقت آلاف السیارات، وتعرضت مبانٍ ومرافق عامه للتخریب، وبدأت نشرات الأخبار تُفتتح کل صباح بحصیله السیارات المحروقه فی اللیله السابقه، حتى بدا الأمر کأنه منافسه بین مختلف المدن. لکن هذه الموجه کانت بلا قیاده سیاسیه تستطیع صیاغه مطالب المتظاهرین والتفاوض باسمهم.
            "خلال احتجاجات 2005، تحولت قضیه اجتماعیه وسیاسیه إلى نقاش حول الأمن والهجره والهویه الوطنیه"
            وبدل أن یفتح ذلک نقاشا جادا حول التهمیش الاجتماعی والتمییز العنصری، وجد سارکوزی فیه فرصه لتکریس خطابه الأمنی، وتصویر الأزمه بوصفها مواجهه بین الجمهوریه وفئات ترفض الاندماج فی مجتمعها. وهکذا تحولت قضیه اجتماعیه وسیاسیه إلى نقاش حول الأمن والهجره والهویه الوطنیه.

            وکاله آریا للأنباء

            رجال الإطفاء یُخمدون حریق سیاره مشتعله فی 11 نوفمبر/تشرین الثانی 2005 فی حی شعبی بمدینه ستراسبورغ (الفرنسیه) یمکن اعتبار أحداث عام 2005 لحظه مبکره لانکشاف أزمه التمثیل فی الجمهوریه الفرنسیه. لکنها بقیت محصوره بدرجه کبیره فی الأحیاء المهمشه، قبل أن تنتقل الظاهره نفسها، بعد أکثر من عقد، إلى قلب المجتمع الفرنسی التقلیدی.
            السترات الصفراء: انتفاضه بلا أحزاب
            فی نوفمبر/تشرین الثانی 2018، اندلعت حرکه السترات الصفراء احتجاجا على زیاده مقرره فی الضرائب على المحروقات. قدمت حکومه ماکرون الإجراء باعتباره جزءا من سیاسه حمایه البیئه والحد من الانبعاثات، لکن سکان المدن الصغیره والأریاف رأوا فیه ضریبه إضافیه یدفعها الناس یومیا فی طریقهم إلى العمل أو المدرسه أو المستشفى. إنها فرنسا العمیقه التی تنهض باکرا، کما یحلو للساسه الفرنسیین مغازلتها: صغار الملاک والحرفیون والمهنیون والعمال والموظفون محدودو الدخل، ممن یعیشون بعیدا عن شبکات النقل والخدمات التی تتمتع بها المدن الکبرى.
            کانت هذه الفئات تقلیدیا أقرب إلى یمین الوسط، لکنها وجدت نفسها أمام رئیس یقدم مشروعه السیاسی باعتباره تجاوزا للیمین والیسار معا، بینما کانت سیاساته الاقتصادیه تنعکس على حیاتها الیومیه فی صوره ضرائب وتراجع فی القدره الشرائیه. ومع غیاب أحزاب ونقابات تشعر هذه الفئات بأنها تمثلها، اختارت تنظیم نفسها عبر منصات التواصل الاجتماعی. بدأ المحتجون بالاعتصام فی الدوارات ومفترقات الطرق، مرتدین السترات الصفراء التی یحملها سائقو السیارات لتجنب حوادث الدهس، ثم انتقلوا إلى باریس حیث واجهوا قوات الأمن بالقرب من مراکز السلطه، وعلى رأسها قصر الإلیزیه.
            کان هذا الحراک مختلفا بصوره جوهریه عن إضرابات عام 1995. فقد افتخر المحتجون بغیاب القیادات السیاسیه والنقابیه التقلیدیه عن حرکتهم، ورفض کثیر منهم الاعتراف بمتحدثین رسمیین أو ممثلین یمکنهم التفاوض باسم الجمیع. منحهم هذا الشکل الأفقی قدره هائله على الانتشار، وسمح بمشارکه فئات لم تکن منخرطه فی العمل السیاسی من قبل. لکنه جعل الحرکه فی الوقت نفسه شدیده التشتت، تتفاوت مطالبها من الضرائب والأجور والمعاشات إلى استقاله الرئیس وإعاده بناء النظام السیاسی بأکمله.
            أجبرت السترات الصفراء حکومه ماکرون على إلغاء الزیاده المقرره فی ضرائب المحروقات، لکنها عجزت عن تحویل التعبئه الواسعه إلى قوه سیاسیه مستمره قادره على انتزاع تغییر أعمق. وبالتوازی مع تراجع المشارکه، شهدت المظاهرات مواجهات عنیفه مع الشرطه، تعرض خلالها عدد من المحتجین لإصابات بالغه، بینها فقدان الأعین وبتر الأیدی بسبب أسلحه مکافحه الشغب.

            وکاله آریا للأنباء

            صوره أرشیفیه من احتجاجات حرکه "السترات الصفراء" فی فرنسا (الأناضول) لقد کشفت السترات الصفراء أن المشکله لم تعد تقتصر على أبناء الضواحی المهمشه. فحتى قطاعات من الطبقات العامله والوسطى، التی کانت تمثل قلب المجتمع الفرنسی التقلیدی، أصبحت خارج الأطر الحزبیه والنقابیه القادره على ترجمه مطالبها إلى مشروع سیاسی. وکانت المفارقه أن هؤلاء الذین رفضوا المؤسسات التقلیدیه لأنهم لم یعودوا یثقون بقدرتها على تمثیلهم، وجدوا أنفسهم من دون مؤسسات بدیله تستطیع الحفاظ على وحده حرکتهم وتحویل قوتهم فی الشارع إلى مکاسب سیاسیه دائمه.
            یوم التناقضات المتراکمه
            هکذا نصل إلى 17 أکتوبر/تشرین الأول 2026. بعد ثمانی سنوات من احتجاجات السترات الصفراء، وأکثر من عشرین عاما على أحداث الضواحی، وثلاثه عقود على إضرابات عام 1995، تبدو فرنسا وکأنها تجمع نتائج هذه التحولات جمیعا فی فصل احتجاجی واحد. طلاب یعترضون على تراجع التعلیم الحکومی، وعمال وموظفون یئنون تحت ضغوط المعیشه، ومجموعات سیاسیه یساریه تبحث عن استعاده زمام المبادره، وشباب من الأحیاء الشعبیه یعبّرون عن غضبهم بطرق مختلفه، وأفراد یستغلون الفوضى لممارسه السطو والتخریب. لیس هؤلاء جمیعا حرکه سیاسیه واحده، ولا یحملون المطالب نفسها، لکنهم یجدون أنفسهم فی الشوارع نفسها، فی مواجهه أجهزه الدوله ذاتها.
            ما یجعل هذه الصوره شدیده الخطوره هو أنها تأتی فی ظرف اقتصادی وسیاسی یضاعف أسباب الغضب الاجتماعی. ففرنسا، التی ما زالت تمتلک أحد أکثر أنظمه الرفاه الاجتماعی تقدما فی العالم، تواجه ضغوطا متزایده بفعل شیخوخه السکان وارتفاع نفقات المعاشات والرعایه الصحیه ما یقیّد الإنفاق على التعلیم والخدمات العامه. وقد تراکمت آثار التضخم منذ الخروج من أزمه کورونا والحرب الأوکرانیه، ثم جاءت الاضطرابات الجدیده المرتبطه بالحرب على إیران لتزید الضغوط على أسعار الطاقه والأسواق العالمیه.
            "تعیش فرنسا أزمه مالیه تتجلى فی ارتفاع الدین العام وصعوبه ضبط العجز فی الموازنه"
            وفوق ذلک، تعیش فرنسا أزمه مالیه تتجلى فی ارتفاع الدین العام وصعوبه ضبط العجز فی الموازنه، وسط ضغوط أسواق السندات التی تطالب بعوائد أعلى مقابل إقراض الدوله الفرنسیه. ومع غیاب أغلبیه برلمانیه مستقره، تصبح قدره الحکومه على تمریر إصلاحات اقتصادیه واجتماعیه أکثر محدودیه، بینما تضیق إمکانات تقدیم تنازلات مالیه واسعه للمحتجین.
            وما یزید الوضع تعقیدا أن هذه الأزمه تأتی فی نهایه عهد ماکرون، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسیه فی أبریل/نیسان 2027، التی لن یستطیع خوضها بعد ولایتین متتالیتین. فقد قام مشروع ماکرون السیاسی فی الأساس على تفکیک الاستقطاب التقلیدی بین الاشتراکیین والجمهوریین، واستقطاب قطاعات واسعه من الحزبین إلى تحالف وسطی جدید. لکنه مع اقتراب نهایه ولایته یترک خلفه نظاما حزبیا أکثر تشتتا، یتنافس فیه الیمین المتطرف بزعامه مارین لوبان وجوردان باردیلا، والیسار الرادیکالی بزعامه جان لوک میلونشون، مع قوى الیمین والیسار التقلیدیین، على خلافته وإعاده تشکیل المشهد السیاسی الفرنسی.

            وکاله آریا للأنباء

            متظاهرون یسیرون فی أحد شوارع باریس خلال مظاهرات فی 17 أکتوبر/تشرین الثانی 2026 (غیتی) فی هذا الظرف، تکتسب کل مظاهره وکل أزمه أمنیه وزنا انتخابیا مضاعفا، وتتحول صور التخریب والحرائق إلى ماده جاهزه للاستقطاب السیاسی. فالیمین المتطرف یجد فیها دلیلا على انهیار سلطه الدوله والحاجه إلى قبضه أمنیه أشد، بینما تحاول قوى الیسار ربطها بالأزمه الاجتماعیه وسیاسات الحکومه الاقتصادیه. لکن الطرفین یواجهان، بدرجات مختلفه، المشکله نفسها: اتساع المسافه بین التنظیمات السیاسیه القائمه وقطاعات من المجتمع لا ترى فی هذه التنظیمات تعبیرا عن مصالحها أو هویتها.
            ما زالت النقابات الفرنسیه قادره على تعبئه ملایین المواطنین، کما أظهرت الاحتجاجات على إصلاح التقاعد عام 2023، وقد أثبتت السترات الصفراء نفسها أن التنظیم الأفقی قادر على تحقیق مکاسب ملموسه. لکن المشکله تکمن فی اتساع الفجوه بین حجم الغضب الاجتماعی والقدره التنظیمیه على استیعابه وتمثیله. فبینما تستطیع وسائل التواصل الاجتماعی جمع مئات الآلاف فی الشوارع خلال أیام، لا تستطیع بالضروره أن تمنحهم رؤیه سیاسیه مشترکه أو مؤسسات تستمر بعد انتهاء المظاهرات.
            وإذا کان ضعف التنظیم یحد من قدره المحتجین على تحقیق أهدافهم، فإنه یضع الدوله بدورها أمام مأزق. فالدوله التی اعتادت مواجهه أحزاب ونقابات تستطیع التفاوض معها تجد نفسها أمام حشود لا تملک قیاده موحده، ولا یمکن إنهاء احتجاجاتها بمجرد توقیع اتفاق مع ممثلیها. وفی غیاب الوساطه السیاسیه، تصبح الأجهزه الأمنیه الواجهه الرئیسیه للدوله فی التعامل مع المجتمع، بینما یتراجع النقاش حول المطالب الاجتماعیه لصالح النقاش حول استعاده النظام العام.
            هنا تکمن المفارقه الکبرى. لقد سعت الدوله الفرنسیه، على مدى عقود، إلى إضعاف بعض المؤسسات الجماعیه التی کانت تحد من حریه الحکومات فی إداره الاقتصاد، من خلال الخصخصه وتحریر سوق العمل وتقلیص نفوذ النقابات. لکنها تجد نفسها الیوم فی مواجهه غضب اجتماعی أقل قابلیه للتفاوض والاحتواء. فالمؤسسات التی کانت قادره على تعطیل الدوله بالإضرابات کانت، فی الوقت نفسه، تمنحها أطرافا واضحه للحوار وقنوات یستطیع عبرها المجتمع ممارسه الصراع السیاسی من دون أن یتحول کل احتجاج إلى أزمه أمنیه.
            وبالعوده إلى حریق بلدیه لیموج، یمکن النظر إلیه باعتباره أکثر من مجرد واقعه تخریبیه. فالمبنى الذی احترق کان رمزا من رموز الجمهوریه الفرنسیه ومؤسساتها المحلیه، لکن کثیرا من المحلات التی نُهبت فی اللیله نفسها کانت مصدر رزق لأفراد من الفئات الاجتماعیه التی یفترض أن الاحتجاجات خرجت للدفاع عنها.
            یُروى عن عالم الاجتماع الفرنسی ألان تورین، تعلیقا على الأحداث العاصفه التی عرفها الشارع الفرنسی بعد الانتفاضه الطلابیه لعام 1968، أنه قال إن ما أنقذنا جمیعا من الانزلاق هو أن الدیمقراطیه الفرنسیه لها مؤخره من رخام، کنایه عن صلابه مؤسسات الدوله الفرنسیه. کان هذا الکلام فی مواجهه تنظیمات جماهیریه مؤدلجه وشدیده التأطیر، یمینا ویسارا.
            الیوم تقف الدوله الفرنسیه فی مواجهه مجتمع متشظ، فقد الکثیر من الأطر التی کانت تنظمه خلال المئه سنه الماضیه: لا أحزاب جماهیریه کبرى ولا نقابات بالوزن الاجتماعی السابق. فی المقابل، تتخلى قطاعات من الشعب عن أی شکل من أشکال الانتماء الجماعی، ویمارس بعضها السطو عند أول فرصه.
            المصدر: الجزیره

            رابط قصير:
            كود الأخبار:
            كود المراسلة:

            المزيد من الأخبار
            ملف إبستین یعود للواجهه.. دیمقراطیون یطالبون بتحقیق مستقل فی اتهامات لترمب
            ملف إبستین یعود للواجهه.. دیمقراطیون یطالبون بتحقیق مستقل فی اتهامات لترمب
            زعیم کوریا الدیمقراطیه یعود من الصین بعد زیاره لیوم واحد... صور
            زعیم کوریا الدیمقراطیه یعود من الصین بعد زیاره لیوم واحد... صور
            ماکرون یرفض استقاله وزیر الداخلیه ویطالبه باعتماد أسالیب جدیده فی مواجهه أعمال العنف
            ماکرون یرفض استقاله وزیر الداخلیه ویطالبه باعتماد أسالیب جدیده فی مواجهه أعمال العنف
            سیاسی بریطانی: ثمه شکوک فی استعداد أوروبا لخوض حرب ضد روسیا
            سیاسی بریطانی: ثمه شکوک فی استعداد أوروبا لخوض حرب ضد روسیا
            خبیر: احتمالات فوز الدیمقراطیین فی انتخابات الکونغرس الأمریکی تتجاوز 90%
            خبیر: احتمالات فوز الدیمقراطیین فی انتخابات الکونغرس الأمریکی تتجاوز 90%
            ألمانیا تقاطع اجتماع الأمم المتحده لمناهضه العنصریه
            ألمانیا تقاطع اجتماع الأمم المتحده لمناهضه العنصریه
            الدفاع الروسیه تعلن ضرب منشآت طاقه ومراکز اتصالات ومستودعات لوجستیه تابعه للجیش الأوکرانی
            الدفاع الروسیه تعلن ضرب منشآت طاقه ومراکز اتصالات ومستودعات لوجستیه تابعه للجیش الأوکرانی
            رئیس وزراء نیبال على منبر الأمم المتحده: فیضانات بلادی تحذیر للعالم من تغیر المناخ
            رئیس وزراء نیبال على منبر الأمم المتحده: فیضانات بلادی تحذیر للعالم من تغیر المناخ
            جوله جدیده من المفاوضات الإیرانیه الأمریکیه تستمر ساعتین عبر قطر
            جوله جدیده من المفاوضات الإیرانیه الأمریکیه تستمر ساعتین عبر قطر
            • المزيد من الأخبار
            • جمدت أصولا بقیمه ۳ ملیارات دولار.. اختراق "بینانس" أکبر منصه للعملات المشفره
            • بعد الاشتباه فی اختراقها.. "باینانس" تجمّد أصولا بـ۲.۵۴ ملیار دولار
            • بعد الاشتباه فی اختراقها.. "باینانس" تجمّد أصولا بـ۲.۵۴ ملیار دولار
            • عنوانها الدین والهویه.. حمله جمهوریه یقودها ترمب ضد إلهان عمر وعبدول السید
            • وثائق: واشنطن تخصص ۱.۵۷ ملیار دولار لتطویر تقنیات عسکریه سریه
            • إستراتیجیه بوتین الثلاثیه للتلاعب بترمب
            • قائد "سنتکوم" یُطلع ترمب على خیارات عسکریه بشأن إیران
            • روسیا وأفریقیا تتفقان على تعزیز التعاون فی مجالی التعلیم والعلوم
            • کریستین لاغارد تعلن مغادره رئاسه البنک المرکزی الأوروبی قبل انتهاء ولایتها
            • إینی تستبعد تکرار أزمه الغاز فی ۲۰۲۲ رغم قفزه الأسعار وأرباح شل
            • لاغارد تحذر الدول المثقله بالدیون من استمرار ارتفاع الفائده وتفاقم مخاطر التضخم
            • الانتخابات الأمریکیه.. هل تدفع أعباء المعیشه جیل "زد" للاقتراع أم تکرس عزوفه؟
            • من قلب الرکام.. أفلام فی مهرجان غزه الدولی لسینما المرأه تروی حکایات الألم والصمود
            • قمه "روسیا-أفریقیا" تصدر بیانا ختامیا یرسم ملامح المرحله المقبله من الشراکه
            • روسیا وأفریقیا تبحثان توسیع التعاون التعلیمی وتعزیز تدریس اللغه الروسیه فی القاره
            • أوروبا تعتزم طرح ۴۲ ملیون برمیل من احتیاطیات النفط لخفض الأسعار
            • الکعبی: قطر للطاقه تشتری غازاً أمریکیاً للتحوط من اضطرابات مضیق هرمز
            • بین تقارب طهران وابتعاد یریفان.. کیف تعید موسکو ترتیب أوراقها؟
            • عبدول السید للجزیره: أموال أمریکا یجب ألا تذهب لدول تمارس الإباده
            • الشیح عکرمه صبری: تهدید إسرائیلی لخطباء الأقصى لإبعادهم عن قضایا الأمه
            • هل تملک روسیا مقومات قیاده "عالم متعدد الأقطاب" بالشراکه مع أفریقیا؟
            • بوتین: روسیا لا ترید حربا مع أوروبا لکنها مستعده لها
            • رئیس الاتحاد الفرنسی لکره القدم یدافع عن مبابی ویعتبر الجدل حول تصریحاته "مبالغا فیه"
            • الاقتصاد الأمریکی ینمو بأسرع وتیره فی عام رغم ارتفاع التضخم وتکالیف الطاقه
            • الأحزاب العربیه بعد انتخابات الکنیست.. هل تملک القوه للتغییر؟


              خبرگزاری آریا

              "وكالة أنباء آريا" هي وكالة أنباء إيرانية رسمية ومستقلة تحمل شعار "حركة شفافة وصادقة ومهنية في المعلومات"

              اشتراک در:

              ۱۹ الجمعة , جمادى الأولى, ۱۴۴۸
              مجموعات الأخبار:
              • السیاسة
              • الأقتصادیه
              • الریاضیه
              • علوم و تکنولوجیا
              • الثقافة
              مجموعة اريا:
              • مركز آريا للدراسات الاستراتيجية
              • Arya Smart Land Company
              • Arya Pioneers of Thought Publishing House
              © - Arya News Agency
              معلومات عنا| اتصل بنا| RSS| روابط| بحث متقدم