وکاله آریا للأنباء - أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسیه مع الإمارات فی خطوه جاءت بعد أشهر من التصعید السیاسی والإعلامی بین البلدین، وبعد سلسله إجراءات ومواقف عکست تراجع مستوى العلاقات الثنائیه.
وقالت وزاره الخارجیه الجزائریه إن القرار جاء بعد "استنفاد جمیع السبل الکفیله بالحفاظ على العلاقات الثنائیه"، متهمه الإمارات بتزاید «التصرفات الاستفزازیه أو العدائیه»، ومشیره إلى أن الجزائر وجهت خلال الفتره السابقه تحذیرات متکرره إلى أبوظبی بشأن ما وصفته بـ"العواقب الوخیمه" لهذه التصرفات.
وأبلغت الجزائر السفیر الإماراتی رسمیا بالقرار ومنحته مهله 48 ساعه للامتثال له.
فی المقابل، لم تکن القطیعه نتیجه خلاف معلن واحد، بل جاءت فی نهایه مسار طویل من التوتر شمل ملفات تتصل بالأمن الداخلی الجزائری، والمغرب والصحراء الغربیه، والعلاقات مع إسرائیل، إضافه إلى تنافس أوسع على النفوذ فی منطقه الساحل وشمال أفریقیا.
البیان الجزائری الذی أعلن القطیعه لم یحدد بالتفصیل الوقائع التی دفعت الحکومه إلى اتخاذ القرار، واکتفى بالإشاره إلى "تصرفات استفزازیه أو عدائیه" وإلى استنفاد الوسائل الدبلوماسیه للحفاظ على العلاقات.

الجزائر تقرر قطع علاقاتها الدبلوماسیه مع الإمارات
هذا الغموض فی البیان الرسمی فتح المجال أمام وسائل إعلام وشخصیات جزائریه لعرض ما تعتبره خلفیات للقرار.
ومن أبرز القراءات التی ظهرت عقب الإعلان، ما قدمه عمار بلانی، السفیر الجزائری السابق والناطق السابق باسم وزاره الخارجیه، الذی اعتبر أن القطیعه جاءت نتیجه تراکم ممارسات قال إنها أضرت بالمصالح الجزائریه.
وبحسب بلانی، تشمل أبرز نقاط الخلاف ما تصفه الجزائر بتدخل إماراتی فی الشؤون الداخلیه، ودعم حرکه "الماک" الانفصالیه، التی تصنفها السلطات الجزائریه منظمه إرهابیه، فضلا عن اتهامات باستضافه أشخاص مطلوبین للعداله الجزائریه.
وهذه الاتهامات تمثل تقییمًا جزائریا لدور الإمارات، ولم یرد فی البیانات الرسمیه التی أعلنت القطیعه تفصیل یثبت کل واحده منها على حده.
"الماک" والأمن الداخلی الجزائری
یضع الخطاب الجزائری المتعلق بالأزمه مسأله حرکه "الماک" فی مقدمه الملفات الأمنیه الحساسه.
وتتهم الجزائر الإمارات بتقدیم دعم سیاسی للحرکه، بل باستضافتها فی منابر دولیه، وهو ما تعتبره السلطات الجزائریه مساسًا بوحده أراضیها وشؤونها الداخلیه.
وتعود حساسیه هذا الملف إلى أن الجزائر تصنف "حرکه تقریر مصیر منطقه القبائل" المعروفه اختصارا بـ"الماک" منظمه إرهابیه، فیما تنفی الحرکه هذا التصنیف وتطرح نفسها کحرکه انفصالیه تسعى إلى تقریر مصیر منطقه القبائل.
ولم یصدر، فی المصادر الرسمیه الإماراتیه موقف یقر بالاتهامات الجزائریه المتعلقه بدعم "الماک". لذلک تبقى هذه النقطه، فی إطار عرض الأزمه، اتهاما جزائریا لا موقفا إماراتیا مثبتا.
المغرب والصحراء.. أحد أعمق جذور الخلاف
یتصل جانب آخر من الخلاف بالتنافس الجزائری-المغربی، وبشکل خاص قضیه الصحراء.
فالجزائر تدعم جبهه البولیساریو وتتمسک بمبدأ تقریر المصیر، بینما اتخذت الإمارات موقفا داعما للمغرب فی قضیه الصحراء، وهو ما یظهر أیضًا فی مواقفها الرسمیه السابقه، بما فی ذلک دعمها للموقف المغربی بشأن السیاده على الإقلیم.
وتشیر قراءات تناولت الخلاف الجزائری-الإماراتی إلى أن أبوظبی طورت خلال السنوات الماضیه علاقات سیاسیه واقتصادیه وأمنیه وثیقه مع الرباط، الأمر الذی تنظر إلیه الجزائر فی سیاق التنافس الإقلیمی بین البلدین.
وتشیر تقاریر سابقه إلى أن الإمارات افتتحت قنصلیه فی الصحراء، فی خطوه تنسجم مع موقفها الداعم للمغرب، بینما تعتبر الجزائر قضیه الصحراء من الملفات الأساسیه فی سیاستها الخارجیه.
وفی هذا السیاق، ترى مصادر جزائریه أن التقارب الإماراتی-المغربی لا یمثل مجرد تعاون ثنائی، بل جزءا من اصطفافات إقلیمیه أوسع تتعارض مع الحسابات الأمنیه والسیاسیه الجزائریه.
التطبیع مع إسرائیل.. خلاف فی الرؤیه الإقلیمیه
یمثل الموقف من إسرائیل نقطه اختلاف أخرى بین البلدین.
فالإمارات أقامت علاقات دبلوماسیه مع إسرائیل فی إطار اتفاقات أبراهام عام 2020، وطورت منذ ذلک الحین تعاونًا سیاسیًا واقتصادیًا وأمنیًا معها.
أما الجزائر، فبقیت متمسکه بموقف رافض للتطبیع مع إسرائیل، وربطت سیاستها الخارجیه بصوره وثیقه بدعم القضیه الفلسطینیه.
وکانت وزاره الخارجیه الإماراتیه قد أکدت فی بیان رسمی صدر الثلاثاء أن المؤسسات الحکومیه الإماراتیه والإسرائیلیه حافظت منذ إقامه العلاقات بین البلدین على قنوات اتصال مباشره ومفتوحه، وأن المعلومات الاستخباراتیه ذات الصله یتم تبادلها عند الحاجه. کما قالت إن جهود الإمارات منذ 7 أکتوبر ترکزت على خفض التصعید والاستقرار الإقلیمی ومنع العنف.
وتعتبر شخصیات جزائریه أن طبیعه العلاقات الإماراتیه مع إسرائیل، إلى جانب التقارب الإماراتی-المغربی، خلقت محورا إقلیمیا یتعارض مع مصالح الجزائر، لکن هذا الطرح یبقى قراءه جزائریه لطبیعه الاصطفافات الإقلیمیه ولیس توصیفا معلنا من الجانب الإماراتی للعلاقات مع الجزائر.
الساحل ولیبیا.. تنافس على المجال الاستراتیجی
یمتد الخلاف کذلک إلى منطقه الساحل وشمال أفریقیا، حیث تحاول کل من الجزائر والإمارات بناء علاقات وتأثیر سیاسی وأمنی واقتصادی.
وتنظر الجزائر إلى منطقه الساحل باعتبارها مجالا استراتیجیا مباشرا لأمنها القومی، بحکم الحدود الطویله مع مالی والنیجر ولیبیا وموریتانیا.
فی المقابل، وسعت الإمارات حضورها فی أفریقیا خلال السنوات الماضیه من خلال الاستثمارات والعلاقات السیاسیه والاقتصادیه، إلى جانب علاقاتها مع أطراف مختلفه فی الأزمات الإقلیمیه.
وفی لیبیا تحدیدا، أشارت تحلیلات سابقه إلى اختلاف مواقف البلدین من أطراف النزاع اللیبی، مع اتهامات جزائریه للإمارات بدعم قائد قوات شرق لیبیا خلیفه حفتر، بینما حافظت الجزائر على موقف داعم للمسار السیاسی والحکومه المعترف بها دولیا فی طرابلس فی مراحل مختلفه من الأزمه. وتربط مصادر أخرى الخلاف بین البلدین بتنافس أوسع على النفوذ فی شمال أفریقیا والساحل.
ولا یعنی ذلک أن کل التحرکات الإماراتیه فی أفریقیا تستهدف الجزائر مباشره؛ إذ تقدم أبوظبی حضورها فی القاره ضمن سیاسه أوسع لتوسیع الاستثمارات والشراکات الاقتصادیه والسیاسیه، وهو ما أشار إلیه تحلیل سابق للعلاقات بین البلدین.
من التوتر السیاسی إلى إجراءات رسمیه
لم تبدأ القطیعه بإعلان سبتمبر، بل سبقتها مؤشرات عملیه على تدهور العلاقات.
ففی فبرایر الماضی، بدأت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقیه الخدمات الجویه الموقعه مع الإمارات عام 2013، فی خطوه جاءت بعد أشهر من التوتر السیاسی.
وفی الفتره نفسها، صعّد الرئیس الجزائری عبد المجید تبون انتقاداته لما وصفها بدوله خلیجیه تتدخل فی شؤون الجزائر وتؤثر فی استقرارها، من دون أن یسمی الإمارات مباشره فی بعض تصریحاته. واعتبرت تقاریر إعلامیه جزائریه ودولیه أن الإشارات کانت موجهه إلى أبوظبی.
وأظهرت تلک التطورات أن الخلاف انتقل من مستوى التباین فی السیاسات الخارجیه إلى إجراءات تمس العلاقات الثنائیه نفسها.
وبحلول سبتمبر، أعلنت الجزائر أن المسار الدبلوماسی وصل إلى نهایته، وقالت إن الإمارات واصلت، رغم التحذیرات، ما وصفته بالتصرفات غیر المقبوله فی إطار العلاقات بین دولتین ذاتی سیاده.
ماذا تقول الإمارات؟
الموقف الإماراتی من القطیعه نفسها لا یزال أقل تفصیلا من الروایه الجزائریه فی المصادر المتاحه حتى الآن.
ولم تقدم أبوظبی، فی البیانات الرسمیه التی ظهرت عقب إعلان الجزائر، قائمه مقابله بالأسباب التی أدت إلى القطیعه، فیما کانت مواقفها السابقه تشیر إلى تفضیلها إبقاء الخلافات ضمن القنوات الدبلوماسیه وعدم الدخول فی سجال علنی.
ویأتی ذلک فی سیاق سیاسه إماراتیه أوسع تؤکد فیها أبوظبی على خفض التصعید والاستقرار الإقلیمی، وعلى بناء شراکات مع دول مختلفه فی المنطقه وخارجها.
کما أن الموقف الإماراتی المعلن بشأن علاقاتها مع إسرائیل لا یتطابق مع القراءه الجزائریه لها؛ فأبوظبی تعتبر العلاقات جزءًا من سیاستها الخارجیه القائمه على التواصل والدبلوماسیه والتعاون، بینما تنظر الجزائر إلیها ضمن سیاق إقلیمی مختلف یرتبط بالقضیه الفلسطینیه وتوازنات شمال أفریقیا.
وبالتالی، فإن الاختلاف لا یتعلق فقط بعلاقه ثنائیه بین الجزائر وأبوظبی، وإنما بتباین أوسع فی تصور کل دوله لدورها الإقلیمی وشبکه تحالفاتها وشراکاتها.
لماذا الآن؟
توقیت القطیعه یعکس انتقال الخلاف من مرحله إداره التباینات إلى مرحله اتخاذ قرار دبلوماسی رسمی.
فالجزائر تقول إن القرار لم یکن مفاجئا من منظورها، بل جاء بعد "استنفاد" محاولات الحفاظ على العلاقات وبعد سلسله تحذیرات وجهتها إلى أبوظبی. کما أن الإجراءات التی سبقت القرار، وعلى رأسها ملف اتفاقیه الطیران، أظهرت أن العلاقات کانت قد دخلت بالفعل مرحله متقدمه من التوتر.
وفی المقابل، لا تظهر فی الموقف الإماراتی المنشور حتى الآن روایه تفصیلیه مضاده تتناول الاتهامات الجزائریه بندا بندا.
وهذا یعنی أن الصوره المتاحه حالیا تتکون من روایه جزائریه مفصله نسبیا عن أسباب القطیعه، مقابل موقف إماراتی رسمی أکثر تحفظا فی التعاطی العلنی مع الخلافات الثنائیه.
القطیعه لا تعنی بالضروره صداما مفتوحا
قطع العلاقات الدبلوماسیه یمثل أعلى درجات التصعید فی العلاقات الثنائیه، لکنه لا یعنی بالضروره انتقال البلدین إلى مواجهه مباشره أو توقف جمیع أشکال الاتصال.
فالقرار الجزائری یخص العلاقات الدبلوماسیه، فیما تبقى الملفات الاقتصادیه والاستثماریه وحرکه الأشخاص وغیرها قابله لأن تخضع لاحقًا لقرارات منفصله من الطرفین.
کما أن منح السفیر الإماراتی مهله 48 ساعه للامتثال للقرار یشیر إلى أن الجزائر انتقلت إلى تنفیذ القطیعه وفق إجراء دبلوماسی محدد، ولیس إلى إعلان مواجهه شامله مع الإمارات.
وتبقى الخطوه التالیه مرتبطه بکیفیه تعامل أبوظبی مع القرار، وما إذا کانت ستکتفی بالرد الدبلوماسی، أو تتخذ إجراءات مقابله، أو تترک الباب مفتوحًا أمام إعاده العلاقات فی مرحله لاحقه.
خلفیه العلاقات
تعود العلاقات الدبلوماسیه بین الجزائر والإمارات إلى عقود، وشهدت فی مراحل سابقه تعاونا سیاسیا واقتصادیا.
لکن التباین بین أجندتی البلدین الإقلیمیتین أصبح أکثر وضوحًا خلال السنوات الأخیره، بالتوازی مع اتساع الدور الإماراتی فی شمال أفریقیا والساحل، وتطور علاقاتها مع المغرب وإسرائیل، مقابل تمسک الجزائر بسیاسه خارجیه تقوم على عدم الانحیاز التقلیدی، ودعم القضیه الفلسطینیه، والدفاع عن مبدأ تقریر المصیر، والحفاظ على دورها الأمنی والسیاسی فی الساحل.
وبذلک تبدو القطیعه الحالیه، وفق المعطیات المتاحه، نتیجه تراکم مجموعه من الخلافات السیاسیه والأمنیه والإقلیمیه، ولیس نتیجه حادث واحد معلن.
وفی حین تضع الجزائر مسؤولیه التصعید على ما تصفه بالسلوک الإماراتی "الاستفزازی أو العدائی"، لا تقدم أبوظبی حتى الآن روایه تفصیلیه مماثله حول أسباب وصول العلاقات إلى هذه المرحله، ما یجعل بعض الاتهامات المتبادله بحاجه إلى التمییز بوضوح بین الوقائع المعلنه والتقییمات السیاسیه لکل طرف.
المصدر: RT